“تقرير“| القواعد الأمريكية في الخليج.. هل أصبحت العبء الأمني الأكبر على دول المنطقة..!

7٬879

أبين اليوم – خاص 

في الخليج، لم تعد “المظلة الأمريكية” تُختبر في سياق نظري أو في سجالات سياسية تقليدية، بل في قلب الوقائع الصلبة التي تُعيد تعريف معنى الحماية نفسها.

فكل موجة تصعيد جديدة تكشف أن الاعتماد على قوة خارجية كضامن نهائي للأمن لا ينتج بالضرورة حصانة، بل يخلق طبقة انكشاف مركبة: انكشاف على الخصم، وانكشاف على الحليف في لحظة العجز، وانكشاف ثالث على معادلة ردع لا يملك المستفيد منها قرار تشغيلها أو إيقافها.

في هذا السياق، يتبدد تدريجياً الوهم الذي رافق عقوداً من بناء الاستراتيجيات الدفاعية الخليجية، القائم على فكرة أن الوجود العسكري الأمريكي هو سقف الحماية الأعلى. الواقع العملي يُظهر أن هذا السقف يتحول في لحظات الأزمة إلى جزء من أرض المعركة، وأن القواعد التي صُممت لردع التهديدات تصبح في منطق الخصوم “نقاط اشتباك مفتوحة”، لا تقل عرضة للاستهداف عن غيرها، بل قد تكون أكثر حساسية لما تحمله من رمزية سياسية وعسكرية.

هنا تتكشف المفارقة القاسية: كلما ازداد الارتهان لمنظومة حماية خارجية غير قابلة للسيطرة السيادية الكاملة، ازداد مستوى الانكشاف الفعلي عند لحظة الاختبار. فالمعادلة لا تعمل بمنطق الضمان المطلق، بل بمنطق إعادة توزيع المخاطر، حيث تُنقل التهديدات من حدود الدولة إلى عمقها الاستراتيجي تحت عنوان “الردع المشترك”.

وهكذا، لا يعود السؤال المركزي: هل توفر واشنطن الحماية؟ بل: ما الثمن الأمني والسيادي الذي يُدفع مقابل هذه الحماية، ومتى تتحول من مظلة ردع إلى عامل استدراج للصراع؟ في هذه النقطة تحديداً، يتضح المعنى القاسي للمعادلة التي تختصرها الوقائع: المتغطي بمنظومات الحماية الخارجية لا يكتشف أنه محمي بالكامل، بل أنه مكشوف بطريقة مختلفة فقط، وأكثر تعقيداً مما كان يتصور.

الوجود العسكري الأمريكي من “درع واقٍ” إلى “عبء أمني”:

تجاوز المشهد الجيوسياسي في منطقة الخليج مرحلة “القلق” ليدخل طور “المراجعة الشاملة” لأسس التحالفات التاريخية. فمع تسارع وتيرة الرد الإيراني على التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي، لم تعد التساؤلات تقتصر على جدوى الحماية الأمريكية، بل انتقلت إلى جوهر المشكلة، وهو تحول الوجود العسكري الأمريكي من “درع واقٍ” إلى “عبء أمني” يستجلب الهجمات ويهدد بقاء الدول المضيفة.

لسنوات، استندت الاستراتيجية الدفاعية لغالبية دول الخليج إلى فرضية أن القواعد الأمريكية والمنظومات الدفاعية المتطورة هي الضمانة النهائية ضد أي تهديد إقليمي، إلا أن الأحداث الأخيرة وجهت ضربة قاصمة لهذه الفرضية؛ حيث بدت الولايات المتحدة، بكل ثقلها العسكري، عاجزة ليس فقط عن حماية حلفائها، بل عن حماية مصالحها وقواعدها الخاصة التي طالتها الضربات الإيرانية منذ اليوم الأول للمواجهة.

هذا الفشل في توفير “الحماية المزعومة” كشف عن هشاشة بنيوية في مفهوم المظلة الأمريكية، فالمنظومات الدفاعية التي كلف استيرادها مئات المليارات من الدولارات أثبتت قصوراً واضحاً أمام تكتيكات الهجوم الحديثة، مما جعل الدول الحليفة تدرك أنها تقف مكشوفة أمنياً في وقت تشتعل فيه الجبهات، بينما تكتفي واشنطن ببيانات الإدانة أو التصعيد الكلامي الذي لا يمنع سقوط الصواريخ.

وتتمثل المعضلة الكبرى التي تواجه الدول الخليجية اليوم في أن التواجد العسكري الأمريكي على أراضيها بات هو السبب المباشر لجرها إلى أتون الحرب، فبموجب قواعد الاشتباك الراهنة، تعتبر القوى الإقليمية المعادية لواشنطن أن أي دولة تستضيف قواعد أمريكية هي شريك في المجهود الحربي، مما يحول جغرافية هذه الدول ومنشآتها الحيوية إلى “أهداف مشروعة”.

وبمعنى آخر، لولا وجود هذه القواعد، لكانت دول الخليج في مأمن من الاستهداف المباشر، حيث أن الرد الإيراني الأخير أثبت أن السياسة الأمريكية الصدامية في المنطقة تجعل من حلفائها “دروعاً استراتيجية” وجغرافية لتصفيات حسابات دولية، مما يضع أمن المواطن الخليجي وازدهار دوله في مهب الريح نتيجة لقرارات تُتخذ في واشنطن وتل أبيب، بعيداً عن المصالح الوطنية لهذه الدول.

ورغم أهمية المسارات الدبلوماسية وسياسة “تصفير المشاكل” التي انتهجتها بعض العواصم، إلا أن الواقع الجديد يفرض حقيقة مرة، مفادها أن الدبلوماسية وحدها لا تكفي ما دامت القواعد الأمريكية جاثمة على الأرض، فوجود هذه القواعد يجهض أي محاولة لبناء ثقة إقليمية مستدامة، ويجعل من دول الخليج طرفاً في أي صراع أمريكي مستقبلي رغماً عنها.

ونظراً لتلك الحقيقة المتمثلة في انكشاف كذبة الحماية الأمريكية لأمن دول الخليج، وتحول التواجد العسكري الأمريكي إلى مصدر تهديد لأمن هذه الدول، فإن صوت العقل اليوم يتجه نحو ضرورة “التخلص من المظلة الأمريكية” بشكل كامل، حيث يؤكد محللون أن إخراج القواعد العسكرية الأجنبية لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة أمنية وجودية، إذ أن نزع فتيل الانفجار يتطلب إزالة “الصاعق”؛ والصاعق هنا هو التواجد العسكري الذي يجعل المنطقة ساحة حرب مفتوحة.

ومن ناحية أخرى يرتبط “الأمن القومي” في الخليج ارتباطاً عضوياً بالنموذج الاقتصادي القائم على السياحة، والطيران العالمي، وجذب الاستثمارات، ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر السيادية، بات هذا النموذج مهدداً بالانهيار الكامل، حيث يرى المحللون أن المخططين لهذه المواجهة لم يدركوا حجم “الخطأ الجسيم” في تقدير عواقب التصعيد، الذي قد يؤدي إلى ركود عالمي يبدأ من موانئ ومطارات المنطقة.

ويؤكد المحللون أن المظلة الأمريكية التي لطالما وثقت بها دول الخليج كضامن لأمنها الإقليمي وحمايتها من أي تهديد خارجي، اتضح أنها مظلة “مثقوبة” لا تقي من المطر بل تستجلب الصواعق، مضيفين أن الحماية الحقيقية لدول المنطقة تكمن في الاعتماد على الذات وبناء منظومة أمن إقليمي جماعي خالية من القواعد الأجنبية، حيث أن استمرار استضافة هذه القواعد هو بمثابة رهان خاسر بامتياز، قد يكلف الدول الخليجية فقدان أمنها وازدهارها في مقابل حماية لم تتحقق، بل تحولت إلى تهديد وجودي كان يمكن تجنبه لو لم يكن هناك قواعد أمريكية.

الخلاصة:

المسألة هنا ليست نقاشاً تقنياً حول كفاءة الدفاعات أو عدد القواعد، بل إعادة تعريف لمفهوم “الأمن” نفسه داخل الخليج: هل هو أمن قائم على الردع الخارجي أم على تقليل الانكشاف عبر تقليص الارتباط المباشر بمحاور الصراع؟

هذا النوع من الخطاب يظهر عادة في لحظات “تشبع استراتيجي”، عندما تتراكم التكاليف الأمنية والسياسية للتموضع داخل تحالفات كبرى. لكن تحويل هذا التصور إلى سياسة عملية يواجه معضلات بنيوية: طبيعة التهديدات العابرة للحدود، اعتماد اقتصادات الخليج على الممرات البحرية المفتوحة، وغياب بديل إقليمي قادر على توفير مظلة ردع مماثلة.

بالتالي، حتى لو تصاعدت مراجعة دور الوجود الأمريكي، فإن البدائل الواقعية تميل غالباً إلى إعادة التوازن داخل النظام القائم، وليس تفكيكه بالكامل.

وعليه يمكن القول:

المعضلة الجوهرية في المشهد الخليجي لا تتعلق بوجود “مظلة أمنية” بحد ذاتها، بل بطبيعة هندسة الأمن الإقليمي التي قامت تاريخياً على الاستعانة بقوة خارجية لتثبيت توازنات داخلية وإقليمية شديدة الهشاشة.

وعندما تتعرض هذه الهندسة للاهتزاز، كما يحدث في ظل التصعيد الحالي، لا يظهر فراغ تقني في الردع فحسب، بل يظهر فراغ في “منطق الأمن” ذاته: من يحدد التهديد؟ ومن يملك قرار إدارة المخاطر؟ ومن يتحمل كلفة الانخراط في صراعات لا تُدار محلياً؟

إعادة توصيف الوجود العسكري الأمريكي كـ“عبء أمني” تعكس تحولاً في الإدراك أكثر مما تعكس تحولاً في الواقع المادي. فحتى مع محدودية الأداء الدفاعي أو اختلالات الردع، يبقى هذا الوجود جزءاً من منظومة توازن أوسع تمنع انهياراً أمنياً شاملاً. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في أن هذه المنظومة نفسها باتت تولّد توتراً دائماً، أي أنها لا تُنتج “أمناً مستقراً” بل “استقراراً مُداراً بالأزمات”.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “الخروج من المظلة” أو “الاعتماد على الذات” أقرب إلى إعادة تعريف طموحة أكثر منه خياراً تنفيذياً مباشراً، لأن الأمن في الخليج ليس مسألة سيادية داخل حدود مغلقة، بل هو بنية شبكية مرتبطة بالطاقة العالمية، والممرات البحرية، وتوازنات القوى الكبرى. أي تغيير جذري في هذه البنية لا يعني تقليل التهديدات، بل إعادة توزيعها وإعادة تسميتها.

وبالتالي، فإن اللحظة الراهنة لا تُنتج قراراً نهائياً بقدر ما تُنتج مرحلة انتقالية في التفكير الاستراتيجي: من نموذج “الحماية الخارجية المطلقة” إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على إدارة التداخل بين الردع الخارجي، وتقليل الانكشاف الداخلي، وبناء ترتيبات إقليمية جزئية لا تلغي المظلة الخارجية لكنها تعيد ضبط وظائفها وحدودها. في هذا المعنى، لا يبدو أن المنطقة تتجه إلى تفكيك المعادلة القديمة، بل إلى إعادة هندستها تحت ضغط اختبار غير مسبوق لكلفتها وحدودها.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com