“تحليل“| من “عاصفة الحزم” إلى هندسة الفوضى: كيف حولت السعودية “تنظيم القاعدة” إلى ذراعها العسكري في عدوانها على اليمن..!

7٬993

أبين اليوم – خاص 

منذ اللحظة الأولى لانطلاق التدخل العسكري في اليمن 2015، لم يكن المشهد مجرد حرب تقليدية تُدار بمنطق الجبهات والخرائط، بل كان إعادة تشكيل جذرية لطبيعة الصراع ذاته، حيث تداخلت المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية ضمن بنية معقّدة من “الحرب الهجينة” التي تتجاوز حدود الدولة وتعيد تعريف أدواتها. في هذا السياق، لم تعد القوة تُقاس بحجم الجيوش أو نوعية السلاح فقط، بل بقدرة الفاعل على توظيف الشبكات غير النظامية وإعادة تدويرها ضمن منظومة العمليات.

ما جرى فعلياً هو انتقال من “حرب السيطرة” إلى “حرب الإدارة”، حيث لم يعد الهدف الحسم السريع بقدر ما أصبح التحكم في ديناميكيات الصراع وإطالة أمده بما يخدم توازنات إقليمية ودولية أوسع. ضمن هذه المعادلة، برزت التنظيمات المصنفة إرهابياً—وفي مقدمتها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب—كأدوات وظيفية يتم إدماجها أو تحييدها أو إعادة توجيهها بحسب الحاجة، في تحول يعكس انهيار الحدود التقليدية بين “التهديد” و”الأصل العسكري”.

هذا النمط من التوظيف لا يمكن قراءته بمعزل عن منطق “اقتصاد الحرب”، حيث تتحول الفوضى إلى مورد، والعنف إلى آلية إنتاج مستمرة، ويتم استبدال الدولة بشبكة من الفاعلين المتداخلين الذين يتقاسمون النفوذ والموارد. وهنا تحديداً تتكشف المفارقة الكبرى: فالحرب التي رُفعت شعاراتها تحت عناوين الأمن والاستقرار، أعادت في بنيتها العميقة إنتاج بيئة مثالية لتمدد اللادولة وتغذية الفاعلين الأكثر تطرفاً.

بهذا المعنى، لم تعد اليمن مجرد ساحة صراع، بل مختبراً مفتوحاً لإعادة تعريف الحروب في القرن الحادي والعشرين: حيث تُدار المعارك بأدوات غير تقليدية، وتُصاغ التحالفات وفق منطق براغماتي حاد، وتُختبر حدود القدرة على السيطرة في بيئة تتآكل فيها كل الخطوط الفاصلة بين النظام والفوضى.

ومنذ إعلان الحرب على اليمن في 26 مارس 2015م، لم تكن جبهات القتال مجرد ساحة للصراع العسكري التقليدي، بل تحولت إلى مسرح لواحد من أخطر التحالفات البراغماتية في العصر الحديث، حيث تشير الوثائق والتقارير الاستقصائية الدولية إلى أن السعودية، التي قادت الحرب على اليمن، لم تكتف بالتدخل العسكري المباشر، بل عمدت إلى استخدام ورقة “الإرهاب” كأداة لتحقيق الانتصارات ضد قوات صنعاء، جاعلة من “تنظيم القاعدة” حليف ميداني يتم تمويله بالمال والسلاح.

فما كان يروج له إعلام التحالف من خطاب طائفي وديني لمواجهة ما يسمى “المشروع الإيراني” في اليمن، لم يكن سوى غطاء لاستعادة عناصر التنظيمات الإرهابية وتأهيلها تحت مسميات فصائل جديدة، مدعومة بالمال وأحدث الأسلحة الأمريكية والبريطانية بالإضافة إلى منحها الغطاء السياسي الواسع.

ولم تكن اتهامات صنعاء لدول التحالف بدعم تنظيمي “القاعدة وداعش” الإرهابيين مجرد اتهامات سياسية أو تكهنات، بل كانت حقائق مؤكدة وثقتها كبرى المؤسسات الإعلامية والحقوقية العالمية، منها تحقيق لقناة “CNN” الأمريكية في عام 2019، وتقارير لمجلة “نيويورك تايمز” التي أكدت أن أسلحة أمريكية وبريطانية حديثة وصلت إلى أيدي “عناصر القاعدة” في اليمن بعد أن زودت واشنطن التحالف بها.

كما أكدت “وكالة أسوشيتد برس” في تقرير لها نشر خلال أغسطس 2021، أن التحالف بقيادة السعودية والإمارات عقد صفقات سرية مع “القاعدة”، تضمنت انسحاب مقاتليه من مناطق وإرسالها إلى جبهات المواجهة مع قوات صنعاء مقابل مبالغ مالية، بل تم دمج المئات منهم في صفوف فصائل “الحزام الأمني” وغيرها في عدن وأبين وشبوة وحضرموت.

وكشفت وثيقة متداولة صادرة من السفارة القطرية بواشنطن خلال أكتوبر 2016، عن تواصل مباشر بين القيادتين السعودية والإماراتية مع قيادات في القاعدة مدرجين على قوائم الإرهاب الأمريكية، مثل “علي أبكر الحسن” و”عبد الله فيصل الأهدل”، لضمان استمرار تدفق الدعم المالي والعسكري.

وأشارت تقارير أخرى، إلى أن الاتفاقات السعودية مع قيادات العناصر الإرهابية تمت بعلم وإشراف القيادات الأمريكية، حيث كان قادة كبار في التنظيم يتقاضون رواتب من القيادات الموالية للسعودية والإمارات لمحاربة “أنصار الله” في صنعاء.

من ناحية أخرى، كان قد نقل تقرير الخبراء الأمميين بشأن اليمن، الصادر في يونيو 2017، معلومات تؤكد دعم الإمارات لمسلحين موالين لـ”القاعدة” وتعيين قيادات منهم على رأس الفصائل المسلحة منهم السلفي “أبو العباس”، الذي صنفته واشنطن لاحقاً على قوائم الإرهاب، والتي تم دمج “كتائب أبو العباس” التابعة للإمارات لاحقا ضمن فصائل “طارق صالح” في الساحل الغربي بعد خروجهم من مدينة تعز.

وتبنت السعودية خلال الحرب على اليمن استراتيجية “الغاية تبرر الوسيلة”، وتتمثل أهدافها في مضاعفة الدعم والتمويل للعناصر الإرهابية واستخدامهم كـ “رأس حربة” في المواجهات المباشرة مع قوات صنعاء، نظرا لخبرتهم القتالية وتطرفهم العقائدي، واستخدام الغطاء الأيديولوجي بتحويل الحرب من سياسية سيادية إلى صراع طائفي وديني صرف، وذلك لضمان حشد المقاتلين تحت مسميات “الجهاد” ضد من أسموهم “الحوثيين”.

وشكلت محافظة البيضاء نقطة التحول الأبرز للعناصر الإرهابية، وجعلها المعقل الرئيسي لتنظيمي “القاعدة وداعش” بتنسيق سعودي أمريي كامل، نظراً لوقوعها في خاصرة اليمن بين 4 محافظات جنوبية و4 محافظات شمالية، خاضت قوات صنعاء في عام 2020 معارك ضارية تمكنت خلالها من تطهير معقل القاعدة في مناطق “يكلا” و”قيفة” من العناصر التكفيرية، انتهت المواجهات بمصرع كبار قادة التنظيمين، منهم “أبو الوليد العدني”، وآخرين.

وعثرت قوات صنعاء في مواقع عناصر “القاعدة وداعش” على بطاقات تأمين صحي صادرة من مستشفى الرياض المركزي، وكشوفات “حج مجانية” مقدمة من مركز “الملك سلمان” للعناصر الإرهابية، بالإضافة إلى أموال سعودية وأجهزة تصوير واتصالات حديثة، بينما تمكنت بعض العناصر من الفرار إلى مأرب وشبوة وأبين، لتقوم قيادة قوات التحالف عن طريق قيادات في حزب الإصلاح بتجميع تلك العناصر في معسكرات تدريبية، منها ما يقع في “وادي عبيدة” بمنطقة الصمدة غرب مدينة مأرب.

من جهة أخرى، ضبطت قوات صنعاء خلال عملية “نصر من الله” في محور نجران خلال سبتمبر 2019، وثائق خاصة بتنظيم القاعدة تتضمن فتاوى من ما يسمى “اللجنة الشرعية” للتنظيم تحث الشباب على ضرورة الحرب ضد “أنصار الله”، ما يؤكد التنسيق الميداني بين التنظيم وقوات التحالف.

في المقابل، وبعد سنوات من العمل تحت مسميات وكنى، أعادت السعودية اليوم قيادات التنظيمات “الإرهابية” إلى الواجهة بأسمائها الحقيقية ضمن فصائل جديدة مثل “درع الوطن” و”الطوارئ” و”العمالقة”، التي تم تجنيدها للسيطرة على المناطق النفطية في حضرموت وشبوة، وسط اتهامات جنوبية للسعودية بإعادة القاعدة إلى أبين وشبوة بالتزامن مع تفكيك الفصائل التابعة للانتقالي الجنوبي منذ يناير الماضي.

ومع ذلك، تؤكد الشواهد الميدانية والوثائق المسربة والتقارير الدولية أن “الحرب على الإرهاب” التي يعلنها التحالف ليست سوى غطاء لعملية استثمار منظمة للجماعات التكفيرية لضرب النسيج الاجتماعي في جنوب اليمن.

ويرى مراقبون أن دعم السعودية للتنظيمات الإرهابية في اليمن لم يأتِ من فراغ، بل جاء ضمن استراتيجية قائمة على التوظيف الطائفي واستغلال الخطاب السلفي المتطرف لتجنيد آلاف العناصر المتشددة تحت مسميات مختلفة، بما يخدم المصالح الأمريكية في السيطرة على المناطق النفطية في المحافظات الشرقية.

ويبقى السؤال: هل ستظل واشنطن تتغاضى عن استخدام أسلحتها في تأجيج “الإرهاب” باليمن عن طريق السعودية، أم أن ملف “دعم القاعدة” سيكون ورقة ضغط جديدة في الصراع الإقليمي؟

وعليه يمكن القول:

في المستوى الأعمق، لم تعد المسألة مجرد “خطأ تكتيكي” أو “انحراف ميداني”، بل تحوّلت إلى عقيدة غير معلنة لإدارة الصراع، حيث جرى منذ التدخل العسكري في اليمن 2015 إعادة تعريف العدو والحليف وفق معادلة نفعية صرفة: كل من يقاتل الخصم يمكن توظيفه، حتى لو كان مصنفاً ضمن أخطر التهديدات العابرة للحدود مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. هنا تحديداً يكمن جوهر الخلل؛ إذ لم يعد “الإرهاب” خطاً أحمر، بل أصبح أداة قابلة لإعادة التدوير ضمن سوق الحروب.

هذه المقاربة لا تنتج نصراً، بل تعيد هندسة الفوضى. إنها تنقل الصراع من مستوى السيطرة إلى مستوى الانفلات، ومن منطق الحسم إلى منطق الاستنزاف المفتوح. فكل دولار يُضخ في هذه الشبكات لا يشتري ولاءً دائماً، بل يراكم قوة كامنة قابلة للانفجار في أي لحظة، وكل سلاح يُسلّم خارج إطار الدولة لا يعزز الجبهة، بل يخلق جبهة موازية قد تنقلب في توقيت مختلف وبأجندة مختلفة.

الأكثر حدة أن هذه السياسة تُفكك مفهوم الدولة ذاته: حين يتم إضفاء الشرعية الضمنية على الفاعل المتطرف، وتسويقه كـ“شريك ظرفي”، فإن الحدود بين النظامي واللا-نظامي تنهار، ويتحول الأمن إلى سلعة، والسيادة إلى ملف تفاوضي، والجغرافيا إلى مسرح مفتوح لتبادل الأدوار بين الميليشيات. عند هذه النقطة، لا تعود الحرب وسيلة لتحقيق هدف سياسي، بل تتحول إلى نظام قائم بذاته يغذي نفسه بنفسه.

استراتيجياً، ما يحدث هو انتحار بطيء للردع: لأن الردع لا يُبنى على قوى لا يمكن ضبطها، ولا على وكلاء لا يمكن التنبؤ بسلوكهم. وكلما تعمّق الاعتماد على هذه الأدوات، تآكلت القدرة على التحكم بالمخرجات. النتيجة الحتمية ليست نصراً مؤجلاً، بل انفجاراً مؤجلاً.

الخلاصة القاسية: من يزرع الفوضى كأداة، لن يحصد إلا فقدان السيطرة كواقع. وما يُدار اليوم كحرب بالوكالة، قد يتحول غداً إلى حرب بلا وكلاء يمكن التحكم بهم… بل بلا مركز قرار أصلاً.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com