بعد انهيار فصائلها.. الرياض تستدعي مشايخ اليمن.. الإصلاح وطارق يقاطعان.. و“كشف أمريكي“ يربط هذا التحرك بمأرب..!

6٬997

أبين اليوم – خاص 

بدأت السعودية تحركات جديدة لإعادة ترتيب نفوذها القبلي والعسكري في اليمن، بالتزامن مع تصاعد الضربات التي طالت الفصائل الموالية لها خلال الأسابيع الأخيرة، في مؤشر على انتقال الرياض إلى استخدام الورقة القبلية لتعويض تراجع أدواتها العسكرية.

وكشفت مصادر سياسية وقبلية عن ترتيبات سعودية لعقد لقاء يضم مشايخ وأعياناً موالين للرياض من محافظات الجوف ومأرب والبيضاء ومحافظات شمالية أخرى، بتنسيق مباشر من السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، الذي كلف وزير الإعلام في حكومة عدن معمر الإرياني بالتواصل مع الشخصيات القبلية المستهدفة.

وبحسب المعلومات المتداولة، تسعى الرياض من خلال اللقاء إلى إعادة تجميع المشايخ الموالين لها تحت مظلة واحدة وبإشراف مباشر من ضباطها، بما يتيح لها إعادة بناء شبكة نفوذ قبلية يمكن استخدامها في المرحلة المقبلة، خصوصاً في المناطق التي شهدت تراجعاً في فاعلية الفصائل العسكرية المرتبطة بها.

ويأتي هذا التحرك بعد تعرض تشكيلات موالية للسعودية لضربات متتالية خلال الأسبوعين الماضيين، طالت مواقع وتحشيدات برية وبحرية على امتداد خطوط نفوذها، من الوديعة على الحدود الشرقية وصولاً إلى المخا على الساحل الغربي، الأمر الذي دفع الرياض إلى إعادة تقييم اعتمادها على الفصائل العسكرية كأداة رئيسية لإدارة الصراع.

لكن المسعى السعودي اصطدم سريعاً برفض من قوى وشخصيات موالية للتحالف نفسه. فقد أعلن حزب الإصلاح، عبر عدد من مشايخه وقادته الميدانيين، رفض المشاركة في اللقاء المرتقب، فيما برز زيد الشليف، قائد ما تُعرف بـ«مقاومة صنعاء»، بين أبرز الرافضين للدعوة.

كما اتخذت دائرة طارق صالح موقفاً مماثلاً، إذ شن عدد من مستشاريه، وفي مقدمتهم كامل الخوداني، هجوماً على الاجتماع، معتبرين أن الخطوة السعودية تهدف إلى تحويل المشايخ إلى مجرد «كشوفات» تابعة للجنة الخاصة، بما يعكس خشية القوى المدعوة من أن يكون اللقاء مقدمة لإعادة فرز مراكز النفوذ وإخضاع الشخصيات القبلية مباشرة للقرار السعودي، بعيداً عن القوى السياسية والعسكرية التي ارتبطت بها طوال السنوات الماضية.

وفي تطور يكشف جانباً آخر من دوافع التحرك السعودي، تحدث الصحفي اليمني المقيم في الولايات المتحدة منير الماوري عن خشية الرياض من تحرك قبلي يقوده حزب الإصلاح في مأرب باتجاه عقد تفاهمات مع صنعاء بعيداً عن السعودية.

وقال الماوري، نقلاً عن مصادر وصفها بالمطلعة، إن الرياض طلبت توجيه دعوة إلى مشايخ وأعيان مأرب لزيارة المملكة تحت عنوان التشاور، بينما يتمثل الهدف الفعلي، وفق روايته، في إبقائهم داخل السعودية إلى جانب قيادة الحزب، في خطوة قد ترقى إلى فرض قيود على حركتهم.

وتتزامن هذه المعلومات مع تحركات قبلية قيل إن حزب الإصلاح بدأها باتجاه صنعاء بهدف احتواء التصعيد وتجنب اتساع المواجهة العسكرية في مأرب، وهو ما يفسر حساسية الرياض المتزايدة تجاه أي قنوات تفاوض أو تفاهم يمكن أن تنشأ بين القوى المحلية في مأرب وصنعاء خارج إشرافها.

تحليل:

هذا الاستدعاء المتعجّل للمشايخ ليس أكثر من إقرار علني بفشل ذريع؛ إذ لم تعد الرياض تثق بفصائلها التي أنفقت عليها المليارات، فإذا كانت تُسرّع اليوم لاستبدالهم بوجوه قبلية، وتخطّط لاحتجاز أولئك المشايخ في فنادق الرياض كـ”رهائن سياسيين” خشية التفافهم عليها، فإنها بذلك تفضح حقيقة أنها تتعامل مع اليمن كـ”ملكية خاصة” تُدار بالوصاية والقهر، لا كشريك في الحرب ولا كحليف في المصير.

إن مقاطعة الإصلاح وطارق لهذا اللقاء، رغم ولائهما التاريخي للرياض، تُجسد لحظة خوف حقيقية من أن تصبح القبيلة البديل الذي يزيحهم من المعادلة، وكأنهم يدركون أن الرياض بدأت تتصرف كمن يحرق سفنه الأخيرة في بحر متلاطم.

لكن الأكثر خطورة مما تخطط له الرياض هو ما تسعى لتجنبه؛ فخشيتها من اتفاق مأرب-صنعاء تكشف أن وقود الصراع في اليمن بدأ ينفد، وأن أنفاسها الأخيرة في الشمال مرتبطة بمنع أي مصالحة قبلية طبيعية قد تنتزع منها بطاقة التفاوض الوحيدة.

غير أن الرياض تغفل -أو تتغافل- عن حقيقة محورية: القبائل ليست أوارقاً للصراعات، ولا مخزناً استراتيجياً يُستدعى عند الضرورة ويُهمل عند الانتصار.

ومحاولة فرض الإقامة الجبرية على مشايخ مأرب، إن صحت، لن تمنع اليمنيين من إعادة بناء بيوتهم الداخلية؛ بل ستؤكد للجميع أن السعودية، بخسائرها الميدانية وتناقضاتها السياسية، لم تعد قادرة على إدارة اليمن إلا عبر أسلوب الترهيب والوصاية البائس، وهو أسلوب لن يزيد جذوة الغضب الجنوبي والشمالي إلا اشتعالاً، ولن يكتب لها فيه إلا مزيداً من العزلة وسط زحام المتغيرات الإقليمية.

فاليمن، بكل قبائله وفصائله، يتحول اليوم إلى مستنقع جديد يبتلع من ظن أن الإهانة والاحتجاز يمكن أن يكونا بديلاً عن الاحترام والشراكة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com