“تقرير“| عقب استهداف العمق السعودي وشل منشآته النفطية جنوباً.. هل بدأت معادلة “الحصار بالحصار“ تفرض مساراً جديداً للمواجهة..!

7٬994

أبين اليوم – تقارير 

للمرة الأولى منذ سنوات، تعود العمليات اليمنية في العمق السعودي إلى صدارة المشهد العسكري، في تطور يطرح تساؤلات واسعة حول أبعاد العملية الأخيرة للقوات اليمنية وانعكاساتها على مسار المواجهة المتصاعدة بين صنعاء والرياض.

ويأتي هذا التصعيد في سياق معادلة جديدة أعلنتها اليمن في العشرين من يوليو الماضي، مع بدء فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية تحت قاعدة «الحصار بالحصار».

ومنذ ذلك الحين، اتجهت العمليات اليمنية إلى استهداف مسارات تصدير النفط السعودي، سواء عبر سفن النقل أو موانئ التصدير والمنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة، في محاولة للضغط على الرياض لرفع الحصار ووقف عملياتها العسكرية.

وخلال المرحلة الأولى، اتسمت العمليات اليمنية بقدر من التركيز، بحيث بقيت أهدافها مرتبطة بصورة أساسية بالضغط على الاقتصاد السعودي ودفع الرياض نحو مراجعة خياراتها العسكرية. غير أن السعودية، بدلاً من الذهاب نحو التهدئة، اتجهت إلى توسيع التصعيد داخل اليمن عبر تحريك الفصائل والقوات الموالية لها، في محاولة لفتح جبهات داخلية وإعادة تشكيل المعركة باعتبارها صراعاً يمنياً داخلياً.

من احتواء التصعيد إلى إعادة تعريف المعركة:

على مدى نحو أسبوع، تعاملت القوات اليمنية مع التحشيدات السعودية داخل اليمن عبر عمليات جوية وبحرية وبرية استهدفت مواقع وتحركات الفصائل المدعومة من الرياض.

ومع تزايد التحشيدات السعودية والاستعدادات لعملية عسكرية أوسع، انتقلت الرياض إلى مستوى أعلى من التصعيد، عبر تكثيف الغارات الجوية والقصف الصاروخي، في مؤشر على أن المسار الذي بدأ بمحاولة الضغط على صنعاء أخذ يتجه نحو مواجهة مفتوحة.

وجاءت المجازر الأخيرة لتدفع بالمشهد إلى نقطة أكثر خطورة، خصوصاً بعد استهداف السجن المركزي في الجوف وسقوط عشرات الشهداء والجرحى. وكانت القوات اليمنية قد توعدت بالرد على الجريمة، قبل أن تنفذ هجوماً واسعاً صباحياً امتد على طول مناطق جنوب السعودية.

وشملت الهجمات مناطق تبدأ من جيزان على البحر الأحمر مروراً بعسير، بما فيها أبها وخميس مشيط، وصولاً إلى نجران، في نطاق جغرافي واسع يمثل العمق العسكري والاقتصادي للسعودية على الحدود مع اليمن.

وأقرت الرياض، عبر متحدثها العسكري تركي المالكي، بتعرض عدد من المناطق لهجمات، فيما بقيت تفاصيل الأضرار الناجمة عنها محاطة بدرجة عالية من التكتم الرسمي والإعلامي.

ماذا أرادت اليمن من نقل المعركة إلى العمق السعودي؟:

يمكن قراءة العملية الأخيرة ضمن مسارين متداخلين.

الأول.. الرد على التصعيد السعودي والمجازر الأخيرة، ولا سيما جريمة السجن المركزي في الجوف، وإيصال رسالة بأن استمرار استهداف الداخل اليمني لن يبقى من دون كلفة على الجانب السعودي.

أما المسار الثاني.. فيتعلق بإعادة تعريف طبيعة المواجهة. فبينما حاولت الرياض خلال الفترة الماضية نقل ثقل الصراع إلى الداخل اليمني، عبر تحريك الفصائل المحلية وفتح جبهات داخلية، جاءت العملية الأخيرة لتعيد رسم خطوط الاشتباك على أساس أن أي تصعيد سعودي داخل اليمن سيقابله تصعيد مباشر في العمق السعودي.

وهنا تبرز أهمية العودة إلى استهداف مناطق الجنوب السعودي تحديداً؛ فهذه المناطق ليست مجرد مواقع حدودية، بل تضم منشآت عسكرية واقتصادية وشبكات إمداد حيوية، ما يجعل استهدافها ذا تأثير يتجاوز البعد العسكري المباشر.

ماذا يعني وقف العمليات التشغيلية في منشآت النفط جنوب السعودية؟

التحول الأكثر أهمية في التطورات الأخيرة تمثل في إعلان السعودية وقف العمليات التشغيلية في عدد من منشآتها النفطية الواقعة في الجنوب، عقب الهجمات اليمنية.

وتحتفظ المملكة بشبكة واسعة من المنشآت النفطية ومرافق التخزين والتوزيع في مناطق نجران وجازان وعسير، وهي مناطق كانت ضمن نطاق العملية اليمنية الأخيرة.

وفي جيزان، تبرز مصفاة أرامكو الواقعة في المدينة الصناعية، وهي من المنشآت الرئيسية في منظومة التكرير السعودية، بطاقة تصل إلى نحو 400 ألف برميل يومياً، وتنتج مشتقات نفطية تشمل الديزل والبنزين وغيرها من المنتجات.

كما تضم نجران مرافق وخزانات لتخزين وتوزيع المنتجات النفطية، تمثل جزءاً من منظومة الإمداد بالوقود في المنطقة الجنوبية والمناطق الحدودية.

وفي منطقة عسير، وتحديداً محيط أبها، توجد مرافق لتخزين وتوزيع المشتقات النفطية، ما يمنحها أهمية مباشرة بالنسبة إلى تأمين احتياجات المنطقة من الوقود.

وتزداد أهمية هذه المنشآت بالنظر إلى ارتباطها بمنظومة أوسع للطاقة والإمداد، بما يجعل تعرضها للاستهداف أو توقفها عن العمل مؤثراً في سلسلة التوزيع المحلية، حتى وإن لم يكن تأثيرها على إجمالي إنتاج السعودية النفطي كبيراً بالضرورة.

دلالة القرار السعودي:

وقف العمليات التشغيلية يحمل دلالات تتجاوز الجانب الفني. فالمنشآت النفطية لا تتوقف عادة لمجرد تعرضها لهجوم محدود، إلا إذا كانت الأضرار أو المخاطر الأمنية تستدعي تعليق التشغيل إلى حين إجراء عمليات الفحص والإصلاح والتأمين.

ومن هذه الزاوية، فإن إعلان التوقف يعكس نجاح العمليات اليمنية في الوصول إلى منشآت تقع خارج نطاق الجبهات التقليدية، وفرض حالة من عدم اليقين على منشآت الطاقة والإمداد في الجنوب السعودي.

لكن الأهم أن تداعيات ذلك قد تظهر بصورة أكبر على المستوى المحلي، خصوصاً إذا طال أمد التوقف. فتعطل مرافق التخزين والتوزيع أو التكرير في جيزان ونجران وعسير يمكن أن يفرض ضغوطاً على إمدادات الوقود والخدمات المرتبطة بالطاقة في المناطق الجنوبية، فضلاً عن كلفة الإصلاح وإعادة التأمين.

قاعدة الملك خالد.. البعد العسكري للعملية:

لا يقتصر تأثير العملية على قطاع الطاقة، إذ تأتي بالتزامن مع استهداف قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، والتي تعتبرها القوات اليمنية مركزاً عملياتياً رئيسياً في إدارة التصعيد ضد اليمن.

وتكتسب القاعدة أهمية خاصة لارتباطها بالعمليات الجوية السعودية، وبالتالي فإن استهدافها يوجه رسالة عسكرية مختلفة عن تلك التي توجهها ضربات المنشآت النفطية.

فبينما يهدف الضغط على منشآت الطاقة إلى رفع كلفة الحرب اقتصادياً، يستهدف الضغط على القواعد الجوية تقليص قدرة السعودية على مواصلة عملياتها العسكرية ضد المدن والمناطق اليمنية.

وبذلك تتكامل الأهداف ضمن معادلة واحدة: ضغط اقتصادي على منشآت الطاقة، وضغط عسكري على مراكز إدارة العمليات، مقابل التصعيد السعودي داخل اليمن.

هل تتجه السعودية نحو التهدئة؟:

رغم عدم إمكانية الجزم بمسار الموقف السعودي في ظل محدودية المعلومات المعلنة، فإن مجموعة من المؤشرات تستحق التوقف عندها، وفي مقدمتها تراجع الحضور الإعلامي السعودي المخصص للتصعيد داخل اليمن، إلى جانب التحفظ الرسمي بشأن نتائج الهجمات الأخيرة، وصولاً إلى إعلان وقف العمليات في منشآت حيوية بالجنوب.

وقد تعكس هذه الإجراءات محاولة سعودية لاحتواء تداعيات التصعيد ومنع انتقاله إلى مرحلة أكثر اتساعاً، خصوصاً إذا أصبحت المنشآت الاقتصادية والعسكرية في الجنوب عرضة للاستهداف بصورة متكررة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الرياض اتخذت قراراً نهائياً بالتهدئة؛ فالمعادلة ستبقى مرتبطة بدرجة التصعيد داخل اليمن، وبقدرة السعودية على حماية منشآتها الحيوية، وبمدى استعدادها لتحمل الكلفة الاقتصادية والعسكرية لاستمرار المواجهة.

الخلاصة:

تفرض العملية اليمنية الأخيرة واقعاً جديداً على مسار المواجهة، إذ أعادت العمق السعودي إلى قلب المعادلة العسكرية بعد سنوات من التركيز على الجبهات الداخلية.

والرسالة الأبرز تتمثل في أن محاولة السعودية حصر الحرب داخل الأراضي اليمنية لم تعد مضمونة النتائج؛ فكل تصعيد في الداخل اليمني يمكن أن يقابله استهداف لمواقع عسكرية واقتصادية في العمق السعودي.

أما إعلان وقف العمليات التشغيلية في منشآت النفط الجنوبية، فيمثل مؤشراً مهماً على انتقال تأثير العمليات من المستوى العسكري المباشر إلى مستوى تعطيل بعض حلقات منظومة الطاقة والإمداد، وهو ما يرفع كلفة المواجهة على الرياض.

وفي حال استمر هذا النمط من العمليات، فإن المعركة قد تدخل مرحلة مختلفة، يصبح فيها الاقتصاد والطاقة والمنشآت العسكرية السعودية جزءاً مباشراً من معادلة الردع، بحيث تتحول قاعدة «الحصار بالحصار» من شعار سياسي إلى آلية ضغط متعددة المستويات، هدفها دفع السعودية إلى إعادة حسابات التصعيد قبل أن تتوسع دائرة الخسائر داخل أراضيها.

وعليه يمكن القول:

لقد نجحت صنعاء، عبر هذه العملية النوعية، في كسر واحدة من أهم المسلمات التي قامت عليها الاستراتيجية السعودية طيلة سنوات الحرب، وهي إمكانية إبقاء أراضي المملكة بمنأى عن النيران طالما بقيت المعركة تُدار عبر الوكلاء في الداخل اليمني.

لكن ما جرى في جيزان وعسير ونجران وخميس مشيط، وما تبعه من اعتراف سعودي مضطر بوقف التشغيل في منشآت حيوية، يعني أن الجغرافيا الأمنية للمملكة لم تعد خطاً أحمر، بل باتت ساحة مشروعة للردع. والأخطر بالنسبة إلى الرياض أن هذه الضربات لم تعد مجرد صواريخ عابرة، بل تحولت إلى أداة ضغط منهجية تمس شريان الاقتصاد السعودي وغرف التحكم العسكرية، وهو ما يعيد تعريف العلاقة بين الجبهة الداخلية اليمنية وعمق الدولة التي تقود العدوان.

إن إعلان وقف العمليات التشغيلية في منشآت نفطية جنوبية ليس مجرد إجراء تقني أو تحوط أمني عابر، بل هو اعتراف ضمني بأن يد صنعاء باتت قادرة على الوصول إلى نقاط الوجع الاقتصادي للمملكة. وهذا يضع السعودية أمام مأزق مركب:

فإذا واصلت التصعيد داخل اليمن، فإن كلفة حماية منشآتها الحيوية سترتفع بشكل غير مسبوق، وقد تمتد إلى قطاعات أوسع من الطاقة واللوجستيات العسكرية. وإذا ذهبت نحو التهدئة، فإنها ستفعل ذلك من موقع المأزوم لا المبادر، وهو تحول استراتيجي يجرّد الرياض من أوراق الضغط التي راهنت عليها طويلاً، وعلى رأسها تحويل الحرب إلى صراع داخلي تُموّله وتديره عن بُعد.

أما الرسالة الأبعد، فتتمثل في أن معادلة «الحصار بالحصار» لم تعد مجرد خطاب سياسي أو تهديد تأسيسي، بل تحولت إلى عقيدة عسكرية اقتصادية قابلة للتطبيق بقدرة متزايدة.

وكلما حاولت الرياض إعادة تموضع وكلائها في الداخل اليمني أو تصعيد غاراتها على المدنيين، وجدت نفسها تدفع الثمن مباشرة في خاصرتها الجنوبية.

وهذا يعني أن صنعاء فرضت نسقاً جديداً من الاشتباك لا تستطيع السعودية تجاوزه بسهولة، لأن فيه سحباً للبساط الاستراتيجي من تحت أقدامها. وفي النهاية، ستجد الرياض أنها إزاء خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتراجع عن غطرسة العدوان وتقبل بمعادلة الندية، أو أن تذهب بعيداً في مغامرة غير محسوبة يتحول فيها الجنوب السعودي إلى ساحة دفع مفتوحة، لا أحد يملك ترف التكهن بمآلاتها.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com