من المخا إلى باب المندب وميون.. صنعاء تحسم معركة الساحل وتحرر أسراها.. كيف تلقت السعودية أكبر انتكاسة في اليمن..!

7٬010

أبين اليوم – خاص 

أفادت مصادر ميدانية، مساء اليوم الخميس، بأن قوات صنعاء بسطت سيطرتها الكاملة على منطقة باب المندب، بالتزامن مع إحكام قبضتها على جزيرة ميون واغتنام كامل العتاد العسكري السعودي الموجود فيها.

وكانت المصادر قد أفادت في وقت سابق بأن قوات صنعاء تمكنت من السيطرة على معسكر العُمري الاستراتيجي المطل على باب المندب، واغتنام كميات كبيرة من الأسلحة، إلى جانب أسر العشرات من قوات «العمالقة» التابعة للسعودية، بالتزامن مع السيطرة على جزيرة زقر وجبل ذُباب الاستراتيجي، وجميع المرتفعات المطلة على باب المندب.

وتزامنت هذه التطورات مع إعلان صنعاء تحرير جميع أسراها من سجون السعودية وطارق صالح في الساحل الغربي، في عملية وثقتها مشاهد مصورة للحظة تحرير الأسرى، بما يعكس حجم الانهيار الذي أصاب المواقع والتشكيلات العسكرية المناهضة لصنعاء في هذه الجبهة.

وبهذه التطورات، تكون المعركة قد تجاوزت السيطرة على مواقع متقدمة في الساحل الغربي إلى تغيير مباشر في معادلة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما يضع السعودية أمام واقع عسكري وجيوسياسي جديد يصعب احتواؤه بالوسائل التقليدية التي اعتمدت عليها خلال الأشهر الماضية.

كيف تفاعلت السعودية مع خسارة أهم معاركها في اليمن؟:

بعد أيام من التحشيد والاستعراض بمعركة واسعة تحت عنوان الحرب الأهلية، تبدو السعودية أمام واقع جديد في اليمن، لكنها لم تقدم حتى الآن رداً رسمياً مباشراً على التطورات المتسارعة في الساحل الغربي.

فالمملكة، باعتبارها أبرز داعمي الفصائل المناهضة لصنعاء، لم تصدر حتى اللحظة تصريحاً رسمياً يوازي حجم التطور العسكري في باب المندب وميون، في وقت بدأت فيه تحريك أدواتها السياسية والدبلوماسية عبر الدفع بالمبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ باتجاه مجلس الأمن، مع استعداد مكتبه لتقديم إحاطة جديدة.

ويأتي تحريك الملف الأممي في توقيت شديد الدلالة، إذ يبدو أن الرياض تعمل على نقل المعركة من مستوى الخسارة العسكرية المباشرة إلى مستوى دولي، عبر محاولة إعادة صياغة التطورات في الساحل الغربي باعتبارها تهديداً للملاحة الدولية، خصوصاً بعد وصول قوات صنعاء إلى مواقع تطل مباشرة على باب المندب والسيطرة على جزيرة ميون.

ولم تقتصر التحركات السعودية على المسار الأممي، بل بدأت نخب إعلامية وسياسية محسوبة عليها في التركيز على تداعيات السيطرة على ميون وباب المندب. وكان من أبرز هؤلاء عبد الرحمن الراشد، رئيس مجلس إدارة قناة «العربية» السابق والمقرّب من دوائر القرار السعودي، الذي أفرد مساحة للحديث عن مخاطر الملاحة الدولية في ظل التطورات الجديدة.

وفي المقابل، بدا الإعلام السعودي عاجزاً حتى الآن عن تقديم رواية متماسكة لحجم الخسارة في الساحل الغربي، حيث اتجه إلى إبراز ما يقدمه باعتباره تقدماً في الجوف ومأرب، رغم أن طبيعة المواجهات هناك لا تبدو قابلة للمقارنة من حيث الحجم والأهمية الاستراتيجية مع ما جرى في الساحل الغربي وباب المندب.

فالساحل الغربي لم يكن بالنسبة إلى الرياض مجرد جبهة عسكرية أخرى، بل كان يمثل حصان طروادة في استراتيجيتها الجديدة داخل اليمن؛ إذ جرى خلال الأشهر الماضية حشد قوات كبيرة وتسليحها وتجهيزها بهدف تحويل المنطقة إلى قاعدة متقدمة يمكن من خلالها التقدم باتجاه الحديدة وفرض معادلة جديدة على صنعاء.

لكن انهيار هذه الجبهة بهذه السرعة، وصولاً إلى باب المندب وميون، يعني أن المشروع السعودي خسر واحدة من أهم أوراقه العسكرية، فيما تبدو بقية الفصائل المنتشرة في مناطق متفرقة أقل جاهزية وتسليحاً وقدرة على خوض مواجهة واسعة قياساً بالقوة التي كانت موجودة في الساحل الغربي.

وفي تطور موازٍ، بدأت صنعاء ترجمة التحول العسكري في الساحل إلى إجراءات اقتصادية وملاحية؛ إذ أعلنت وزارات المالية، والاقتصاد والصناعة والاستثمار، والنقل والأشغال العامة بدء تطبيق حزمة امتيازات وتسهيلات استثنائية للسفن وبضائع الحاويات القادمة عبر موانئ البحر الأحمر، بما فيها ميناء المخا.

وتشمل الإجراءات تخفيضات كبيرة في رسوم السفن والحاويات، إلى جانب إعفاءات وتخفيضات في الضرائب والجمارك والعوائد المرفئية تصل إلى 50 في المائة، وذلك بهدف إعادة تنشيط الحركة التجارية والملاحية وتخفيف الأعباء المالية عن المستوردين.

وأكدت الوزارات أن الإجراءات تستهدف تشجيع الوكلاء الملاحيين والتجار على توجيه خطوط الاستيراد نحو الموانئ اليمنية الواقعة تحت إدارة حكومة صنعاء، وتجنب الرسوم والجبايات المفروضة في المناطق الخاضعة للقوى المدعومة من السعودية، داعية قطاع الأعمال والشركات الملاحية المحلية والدولية إلى الاستفادة من هذه التسهيلات.

تحليل:

ما جرى في الساحل الغربي ليس “انتكاسة” عابرة في قاموس الحرب اليمنية، بل هو لحظة انقلاب استراتيجي تُعيد ترتيب الأوراق من الأساس. فالسعودية لم تخسر معسكراً ولا جزيرة ولا أسراً فحسب، بل خسرت الوهم الذي بنت عليه ثماني سنوات من الحرب: وهم أن الساحل الغربي يمكن أن يكون رأس جسر نحو الحديدة، وأن باب المندب يمكن أن يبقى تحت ظل نفوذها، وأن الموانئ اليمنية يمكن أن تظل ساحة صراع على الرسوم والجبايات لا على السيادة والوظيفة الاستراتيجية.

الآن، المعادلة انقلبت رأساً على عقب:

فالمنطقة التي أرادت الرياض تحويلها إلى منصة ضغط على صنعاء، أصبحت منصة انطلاق لصنعاء نحو البحر الأحمر. والممر الذي ظنت السعودية أنه ورقة تهديد بيدها، صار ورقة سيادة بيد خصمها. والأسوأ من ذلك كله: أن الرياض لم تخسر الأرض فقط، بل خسرت الرواية. فلم يعد بإمكانها أن تتحدث عن “انتصارات في الجوف ومأرب” وكأن الساحل الغربي لم يسقط.

ولا أن تُقنع العالم بأن ما يجري هناك مجرد “حرب أهلية” يمنية، بينما صور تحرير الأسرى من سجون طارق صالح تملأ الشاشات، وتخفيضات الرسوم المرفئية تعلن أن صنعاء لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل بدأت تُدير البحر.

وهنا المفارقة الكبرى:

السعودية التي أرادت من باب المندب خنق صنعاء، وجدت نفسها أمام باب المندب يُخنقها. لم يعد السؤال: كيف تستعيد الرياض الساحل الغربي؟ بل: كيف تتعامل مع واقع جديد فرضته صنعاء على أحد أهم ممرات التجارة العالمية؟

وكيف تُقنع واشنطن والغرب بأن ما جرى ليس هزيمة استراتيجية لها، بل “تهديد للملاحة الدولية” يستدعي تدخلاً عاجلاً؟

الرد السعودي حتى اللحظة؟ صمت مريب، وحركة مكشوفة.

تحريك المبعوث الأممي نحو مجلس الأمن، وإطلاق نخب إعلامية مقربة للحديث عن “خطر الملاحة”، ليسا رداً على خسارة عسكرية، بل محاولة يائسة لنقل المعركة من ميدان خسرته الرياض إلى منصة دولية تأمل أن تُنقذ ما تبقى من نفوذها.

لكن هذه المحاولة تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بالهزيمة: فمن يخسر معركة على الأرض، يلجأ إلى الشرعية الدولية. ومن يخسر رأس جسره العسكري، يبحث عن رأس جسر دبلوماسي.

لكن الأخطر في المشهد ليس ما خسرته السعودية، بل ما كسبته صنعاء.

فالإعلان عن تخفيضات رسوم الموانئ والإعفاءات الجمركية لم يكن قراراً اقتصادياً عابراً، بل كان إعلاناً سياسياً بامتياز: أن الساحل الغربي لم يعد ساحة حرب، بل ساحة سيادة. وأن باب المندب لم يعد ممراً للتهديد، بل ممراً للجذب التجاري. وأن المعركة المقبلة لن تكون على من يسيطر على الأرض، بل على من يستطيع أن يجعل موانئه أكثر جاذبية وأقل كلفة وأكثر أمناً. وهذه معركة لا تُخاض بالطائرات والمدفعية، بل بالاقتصاد والخدمات والثقة. وهي معركة تبدو صنعاء اليوم أكثر استعداداً لها من الرياض.

أما السعودية؟

فما جرى في الساحل الغربي ليس مجرد انتكاسة عسكرية، بل إعلان وفاة استراتيجية كاملة. الاستراتيجية التي قامت على تحويل اليمن إلى ساحة استنزاف لإيران، وتحويل الساحل الغربي إلى رأس جسر نحو الحديدة، وتحويل باب المندب إلى ورقة ضغط بحرية.

كل هذه الركائز انهارت في أيام. وما تبقى أمام الرياض ليس سوى إدارة الخسارة: كيف تُقلص أضرارها؟ كيف تُجمّد الجبهة؟ كيف تُقنع العالم بأن ما جرى ليس هزيمة لها؟ وكيف تُعيد ترتيب أولوياتها الإقليمية بعد أن اكتشفت أن اليمن ليس أفغانستان أخرى، وأن صنعاء ليست طالبان أخرى، وأن باب المندب ليس هرمز آخر؟

الخلاصة التي لا مفر منها:

ما جرى في الساحل الغربي وباب المندب وميون ليس مجرد “تحرير أسر” ولا “اغتنام عتاد” ولا “سيطرة على مواقع”. إنه إعادة كتابة قواعد اللعبة في البحر الأحمر. السعودية التي دخلت اليمن لتُغيّر معادلة القوة، خرجت منه وقد تغيّرت المعادلة ضدها. وصنعاء التي كانت تُحاصَر في صنعاء، أصبحت اليوم تُحاصر الرياض من باب المندب. والرسالة واضحة: من يسيطر على باب المندب، لا يسيطر على ممر مائي فحسب، بل يكتب شروط المرحلة المقبلة في واحدة من أهم نقاط الاشتباك في العالم.

وهذه الشروط، حتى اللحظة، تُكتب من صنعاء.. لا من الرياض.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com