“تقرير“| من ألمانيا إلى باب المندب.. تنسيق سعودي ـ أمريكي ـ إسرائيلي لمواجهة صنعاء..!

7٬882

أبين اليوم – تقارير 

تكشف معطيات نشرتها صحيفة أكسيوس في 15 سبتمبر 2026 عن انتقال التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي وعدد من الدول العربية إلى مستوى أكثر حساسية، بالتزامن مع تصاعد المواجهة بين السعودية وقوات صنعاء واتساع تداعياتها إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وبحسب تقرير الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، عقد كبار القادة العسكريين من الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي وثماني دول عربية اجتماعًا مغلقًا في ألمانيا، نظمته القيادة المركزية الأمريكية، لبحث الحرب مع إيران والتوترات الأمنية الأوسع في المنطقة.

وأكدت القيادة المركزية الأمريكية انعقاد الاجتماع، وقالت إن قادة عسكريين من ثماني دول شاركوا في مؤتمر مقرر في ألمانيا لبحث فرص تعزيز التعاون الأمني في الشرق الأوسط.

وضم الاجتماع، إلى جانب قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر ورئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير، رؤساء أركان السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر.

وتكمن حساسية الاجتماع في أنه جمع قيادة عسكرية إسرائيلية مع قادة جيوش عربية، بينها دول لا تقيم علاقات دبلوماسية معلنة مع الاحتلال، في إطار مظلة القيادة المركزية الأمريكية.

المحور الأول: اليمن يدخل غرفة التنسيق العسكري:

رغم أن الاجتماع أُعلن رسمياً في إطار بحث الحرب مع إيران وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي، فإن أكسيوس ربط توقيته مباشرة بالتصعيد بين السعودية وقوات صنعاء. وقال مصدر مطلع للصحيفة إن السعودية وكيان الاحتلال الإسرائيلي، بمساعدة القيادة المركزية الأمريكية، يبحثان كيفية تقديم دعم إسرائيلي للعمليات السعودية ضد قوات صنعاء، بما في ذلك المساعدة في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، على غرار الدعم الذي قالت مصادر إسرائيلية إن الاحتلال قدمه للإمارات.

وهنا تتجاوز المسألة حدود التنسيق السياسي؛ إذ إن إدخال قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع إلى المعادلة يعني، في حال تحوله إلى ترتيبات عملية، إمكانية توفير معلومات عن التحركات والانتشار والأهداف ومصادر التهديد، بما يعزز قدرة الطرف الذي يتلقى هذه المعلومات على التخطيط للعمليات.

واللافت أن التقرير لم يتحدث عن اتفاق معلن على مشاركة إسرائيلية مباشرة في العمليات داخل اليمن، بل عن بحث إمكانية تقديم دعم استخباراتي للسعودية. وهذه نقطة ينبغي الفصل بينها وبين الحديث عن مشاركة عملياتية مباشرة، إذ لا توجد في المعطيات المنشورة حتى الآن إشارة إلى قرار معلن بهذا الشأن.

المحور الثاني: لماذا أصبحت السعودية بحاجة إلى شبكة إسناد أوسع..!:

يأتي هذا التطور بعد أيام من تقرير آخر لـ«أكسيوس» كشف أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ ضربات ضد قوات صنعاء، لكن ترامب رفض التدخل العسكري المباشر في الوقت الراهن.

وبحسب التقرير، فإن واشنطن زادت دعمها الاستخباراتي للسعودية، فيما يوجد نحو 200 عسكري أمريكي في المملكة يقدمون دعماً غير قتالي. كما قال مسؤول أمريكي إن واشنطن ستوفر للسعودية معلومات استخباراتية وبيانات استهداف بشأن قوات صنعاء، في وقت تحاول فيه الإدارة الأمريكية إبقاء قواتها مركزة على إيران ومضيق هرمز وتجنب فتح جبهة أخرى في اليمن.

وتكشف هذه المعطيات عن معادلة أمريكية دقيقة: دعم السعودية من دون الدخول المباشر في حرب جديدة. فواشنطن تريد حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في تحمل الكلفة العسكرية والسياسية لمواجهة مفتوحة مع صنعاء.

وفي هذا السياق، يصبح إدخال القدرات الإسرائيلية إلى المعادلة وسيلة محتملة لسد جزء من الفجوة بين ما تطلبه الرياض وما ترغب واشنطن في تقديمه. فبدلاً من نشر قوات أمريكية إضافية أو تنفيذ عمليات مباشرة، يمكن توسيع دائرة تبادل المعلومات والاستطلاع والدفاع الجوي عبر منظومة إقليمية تقودها القيادة المركزية الأمريكية.

المحور الثالث: باب المندب يتحول إلى مركز الثقل:

لا يمكن فصل هذا التنسيق عن التطورات في البحر الأحمر. فقد أشار تقرير «أكسيوس» إلى أن الاجتماع الألماني انعقد في وقت صعّدت فيه قوات صنعاء هجماتها ضد السعودية، مع سيطرتها الفعلية على مناطق من باب المندب وفق الرواية التي أوردها التقرير.

كما نقلت الصحيفة، في تقرير منفصل بتاريخ 16 سبتمبر، أن قوات صنعاء لا تزال تسيطر على مناطق ساحلية وجزر في نطاق باب المندب، بالتزامن مع تصاعد الغارات السعودية وعدم تمكن القوات المدعومة من الرياض من تحقيق اختراق بري فعال.

وفي المقابل، كشفت «أكسيوس» أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن صنعاء في مسقط خلال الأسبوع نفسه، بوساطة عمانية، لبحث الحفاظ على وقف إطلاق النار الأمريكي ــ اليمني وضمان استمرار الملاحة في باب المندب.

وقالت الصحيفة إن واشنطن تجد نفسها في موقف حساس: تريد إبقاء الممر البحري مفتوحاً، لكنها لا تريد الانجرار إلى الحرب السعودية ضد صنعاء.

وهنا تظهر مفارقة استراتيجية لافتة: واشنطن تتحرك في مسارين متوازيين في الوقت نفسه؛ مسار عسكري لتقوية الشركاء الإقليميين، ومسار دبلوماسي لإبقاء قنوات الاتصال مع صنعاء مفتوحة ومنع انهيار ترتيبات الملاحة.

المحور الرابع: كيان الاحتلال يدخل من بوابة «الأمن الإقليمي»:

منذ نقل مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي من القيادة الأمريكية في أوروبا إلى القيادة المركزية الأمريكية عام 2021، توسعت إمكانات التعاون العسكري بين الاحتلال وعدد من الجيوش العربية، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي وتبادل المعلومات.

وتقول «أكسيوس» إن التعاون الاستخباراتي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية ازداد خلال الحرب الحالية، كما أشارت إلى تقديم كيان الاحتلال للإمارات دعماً استخباراتياً ومساعدة في مجال المراقبة والاستطلاع، فضلاً عن نشر منظومة القبة الحديدية مع طواقم تشغيل في الإمارات وفق رواية مسؤولين إسرائيليين.

وبالتالي، فإن الجديد في الملف اليمني ليس اختراع قناة تعاون عسكري من الصفر، وإنما توسيع نطاق هذه المنظومة لتشمل الجبهة اليمنية.

فمن منظور الاحتلال الإسرائيلي، لا يمثل البحر الأحمر وباب المندب مجرد مسرح بعيد عن جبهة فلسطين المحتلة؛ إذ إن قوات صنعاء سبق أن استهدفت الأراضي المحتلة وهددت الملاحة المرتبطة بإسرائيل، ما يجعل التطورات في اليمن جزءاً من الحسابات الأمنية الإسرائيلية الأوسع.

ومن منظور السعودية، فإن الاستفادة من قدرات إسرائيلية في الاستخبارات والاستطلاع والدفاع الجوي قد توفر دعماً نوعياً في مواجهة تهديدات لا تستطيع الرياض احتواءها بالوسائل التقليدية وحدها.

أما الولايات المتحدة، فتملك مصلحة في جمع الطرفين داخل بنية أمنية واحدة تحت مظلة القيادة المركزية، بما يسمح بتوزيع الأدوار والأعباء بدلاً من تحمل واشنطن العبء منفردة.

المحور الخامس: من التنسيق إلى المشاركة.. أين تقف المعادلة الآن؟:

حتى الآن، يجب التمييز بين التنسيق العسكري، وتبادل المعلومات، والدعم الاستخباراتي، والمشاركة العملياتية المباشرة.

المؤكد أن اجتماعاً عسكرياً رفيع المستوى عقد في ألمانيا بمشاركة السعودية والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة ودول عربية أخرى، وأن القيادة المركزية الأمريكية أكدت انعقاده. كما نقلت «أكسيوس» عن مصدر مطلع أن السعودية وإسرائيل، بمساعدة القيادة المركزية، تبحثان إمكان تقديم إسرائيل دعماً استخباراتياً ومعلوماتياً للعمليات السعودية ضد قوات صنعاء.

لكن لا توجد في التقرير نفسه إشارة إلى إعلان اتفاق بشأن مشاركة إسرائيلية مباشرة في العمليات العسكرية داخل اليمن.

وهذه المسافة بين «تقديم المعلومات» و«المشاركة في العمليات» هي النقطة الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة؛ لأن انتقال إسرائيل من دور المعلومات والاستطلاع إلى دور عملياتي مباشر سيعني تغيراً نوعياً في طبيعة الصراع، وربما إدخال الجبهة اليمنية بصورة أكثر وضوحاً في منظومة الحرب الإقليمية.

المحور السادس: واشنطن بين دعم الرياض والتفاوض مع صنعاء:

التزامن بين اجتماع ألمانيا والاتصالات الأمريكية مع صنعاء في مسقط يكشف أن واشنطن لا تتعامل مع الملف اليمني من زاوية عسكرية واحدة.

ففي الوقت الذي تبحث فيه، عبر القيادة المركزية، آليات لتعزيز قدرات شركائها الإقليميين، كان دبلوماسيون أمريكيون يجتمعون بممثلين عن صنعاء في مسقط لبحث استمرار التهدئة وضمان حرية الملاحة. كما أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس لاحقاً أن واشنطن تجري مفاوضات مع صنعاء.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة تحاول بناء هامش مناورة مزدوج: رفع كلفة تهديد الملاحة والمصالح الأمريكية عبر تقوية الشركاء، وفي الوقت نفسه إبقاء باب التفاوض مفتوحاً لمنع تحول البحر الأحمر إلى جبهة حرب مفتوحة.

أما السعودية، فتبدو في وضع مختلف؛ إذ إن طلبها من واشنطن التدخل المباشر، ثم بحثها عن إسناد استخباراتي إضافي، يعكسان حجم الضغوط التي تواجهها في الجبهة اليمنية وفق التقارير الأمريكية والإسرائيلية.

وعليه يمكن القول:

الاجتماع الألماني لا يثبت وحده قيام تحالف عسكري ثلاثي معلن ضد صنعاء، لكنه يكشف شيئاً أكثر أهمية: اليمن أصبح حاضراً داخل هندسة الأمن الإقليمي التي تُبنى تحت المظلة الأمريكية، وإسرائيل باتت طرفاً مطروحاً للاستفادة من قدراته في مواجهة التهديد القادم من اليمن. وما كان يُدار سابقاً كملف سعودي ــ يمني، بدأ يتحول تدريجياً إلى عقدة تتقاطع فيها الحسابات السعودية والأمريكية والإسرائيلية.

واللافت أن واشنطن تبدو وكأنها تريد خوض المعركة بأقل كلفة ممكنة: معلومات أمريكية للسعودية، قدرات إسرائيلية محتملة في الاستطلاع والدفاع، وشركاء عرب يتولون الجزء الأكبر من المواجهة، فيما تحتفظ الولايات المتحدة لنفسها بقناة تفاوض مع صنعاء.

إنها صيغة «الحرب بالوكالة مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً»، لكنها تحمل مخاطرة واضحة: كلما اتسعت شبكة التنسيق العسكري حول اليمن، أصبح احتمال سوء التقدير أو الانتقال من الدعم غير المباشر إلى الاشتباك المباشر أكبر.

أما باب المندب، فهو جوهر المعادلة كلها. فالصراع لم يعد يتعلق فقط بحدود السعودية الجنوبية؛ بل بممر بحري تتقاطع فيه مصالح الطاقة والتجارة والأمن الأمريكي والإسرائيلي.

ولذلك فإن محاولة بناء شبكة إسناد متعددة الأطراف حول السعودية يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوة حول المضيق، بينما تكشف الاتصالات الأمريكية المباشرة مع صنعاء أن واشنطن تدرك في الوقت نفسه أن المعادلة البحرية لا تُحسم بالقوة وحدها.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان هناك تنسيق سعودي ـ أمريكي ـ إسرائيلي، فهذا التنسيق بات موثقاً في جانب منه؛ بل إلى أي مدى يمكن أن ينتقل من غرفة الاجتماعات إلى مسرح العمليات في اليمن.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com