“تقرير“| المصيدة الغربية: هل تنجح استراتيجية “التسريبات” في توريط الخليج بمواجهة مباشرة مع إيران..!

7٬881

أبين اليوم – تقارير 

لم تعد الحروب الحديثة تُعلن في غرف العمليات العسكرية المغلقة فحسب، بل باتت تُطبخ في دهاليز “الاستخبارات الإعلامية” حيث يتم توظيف المعلومة المسربة كقذيفة موجهة لاستهداف التوازنات الإقليمية الهشة.

إن ما يشهده الخليج العربي اليوم ليس مجرد توتر عابر، بل هو تحول بنيوي في استراتيجية الصراع، حيث تسعى القوى الغربية إلى الانتقال من “المواجهة بالأصالة” إلى “الورطة بالإنابة”، مستخدمةً سلاح التسريبات لكسر جدار الصمت الدبلوماسي وفرض واقع ميداني جديد يضع العواصم الخليجية أمام خيار وحيد: الانخراط الكامل في استحقاقات المواجهة الكبرى.

​تتجاوز هذه “التسريبات الممنهجة” كونها مجرد سبق صحفي، لتصبح أداة “هندسة سياسية” تهدف إلى تجريف المسارات الخلفية للتهدئة، وتحويل المنطقة من وسيط محتمل أو ساحة صراع منضبطة إلى طرف مباشر في معادلة الردع والردع المقابل. إن الكشف المتعمد عن تفاصيل “الضربات السرية” لا يستهدف إلحاق الضرر بإيران فحسب، بل يستهدف بالأساس تقييد مرونة صانع القرار الخليجي، ووضعه في مواجهة مكشوفة أمام الرأي العام الإقليمي والدولي، بما يخدم أجندة دولية تسعى لقطف ثمار “الانفجار الكبير” دون دفع فواتيره المباشرة.

استراتيجية “التسريبات” :

تواجه منطقة الخليج العربي في هذه الأيام منعطفاً جيوسياسياً هو الأكثر خطورة منذ سنوات، حيث انتقلت ملامح الصراع من المواجهات العسكرية الميدانية بين كل من الولايات المتحدة وإيران، إلى استراتيجية “التسريبات الممنهجة”، عبر ترويج معلومات مسربة تتضمن الكشف عن شن دول خليجية هجمات جوية على إيران، بما تحمله تلك التسريبات- بحسب محللين- من مؤشرات على محاولات أمريكية وغربية لتحويل الصراع إلى صراع مباشر بين دول الخليج وإيران، فيما تكون أمريكا وحلفائها الغربيين والكيان الإسرائيلي مستعدين لقطف ثمرة هذا الصراع.

وتكشف التطورات المتلاحقة خلال الأسابيع الأخيرة عن نهج إعلامي غربي مكثف، تقوده واشنطن ولندن، يعتمد بالأساس على توظيف المعلومات الاستخباراتية كأداة لخلخلة التفاهمات الإقليمية الهشة.

وبرزت خلال الأيام الماضية حملة إعلامية تقودها وكالات أنباء عالمية وصحف أمريكية كبرى، ركزت بشكل مفاجئ على كشف ما وصفته بـ “عمليات سرية” نفذتها دول خليجية داخل العمق الإيراني، ونقلت وكالة “رويترز” البريطانية عن مصادرها تفاصيل حول مشاركة سعودية فاعلة في ضرب أهداف إيرانية، وهو ما تزامن مع تقارير أمريكية استعرضت هجمات استهدفت منشآت حيوية في جزيرة “لافان”.

ويرى مراقبون أن توقيت هذه التسريبات لا يحمل طابعاً إخبارياً مجرداً، بل يمثل ضغطاً سياسياً مباشراً يندرج ضمن ما يمكن تسميته: “هندسة الصدام عبر التسريبات”، فبعد أسابيع من محاولات التهدئة التي قادتها عواصم المنطقة لفتح قنوات خلفية مع طهران، جاءت هذه التقارير لتضع تلك الدول في مواجهة مباشرة مع الجانب الإيراني، مما يقوض “دبلوماسية المسار الثاني”.

وفي ظل انسداد الأفق الدبلوماسي ورفض واشنطن للردود الإيرانية بشأن مقترحات السلام، يبرز سعي أمريكي وبريطاني واضح لتوزيع كلفة الصراع، حيث ويبدو أن الاستراتيجية الغربية الحالية تهدف إلى تخفيف الضغط العسكري والمادي عن كاهل القوات الأمريكية التي استُنزفت مواردها في مواجهات متفرقة منذ مطلع العام الجاري.

ومن خلال ترويج فكرة “المشاركة الخليجية الفاعلة”، تسعى واشنطن لتحويل الصراع من مواجهة (أمريكية – إيرانية) إلى مواجهة (إقليمية – إيرانية).. وهذا التحول يمنح التحركات العسكرية الغربية غطاءً شرعياً بوصفها “دفاعاً عن الحلفاء”، ويجبر الدول الإقليمية على الانخراط الكامل في المجهود الحربي سواء عبر الدعم اللوجستي أو المشاركة الميدانية المباشرة.

ميدانياً، تتصاعد التحشدات العسكرية في مياه الخليج تحت شعارات حماية الملاحة الدولية، حيث وتقود بريطانيا حالياً مساراً أوروبياً عسكرياً تحت لافتة “تأمين عبور الناقلات عبر مضيق هرمز”، وهو تحرك تقابله طهران برفض قاطع وتوعد بالرد.

هذا التوتر الميداني، مسنوداً بالتسريبات الإعلامية، خلق حالة من “الارتباك الاستراتيجي” لدى صناع القرار في المنطقة، خاصة وأن اعتماد أمريكا وحلفائها الغربيين على منهجية “هندسة الصدام عبر التسريبات” يمثل نوعاً من الابتزاز المعلوماتي؛ فكشف هذه التسريبات، التي لا بد وأن الدول الخليجية وخاصة السعودية كانت قد اشترطت بقاءها سرا، يهدف- بحسب محللين- لإحراج الأنظمة الخليجية أمام شعوبها من جهة، وأمام طهران من جهة أخرى، وبذلك، تضيق خيارات المناورة أمام العواصم الخليجية، وتتحول المنطقة من “مستضيفة لقواعد عسكرية” إلى “ساحة معركة مباشرة” تخدم الأجندات الغربية.

وبالرغم من التبني العلني من قبل دول الخليج بخطاب ضبط النفس، إلا أن الإصرار الإعلامي الغربي على ضخ تفاصيل دقيقة عن “أدوار قتالية” يوحي برغبة دولية في إشعال فتيل الانفجار الكبير، ويبدو أن الهدف النهائي هو ضمان عدم خروج أي طرف إقليمي عن مظلة التحالف العسكري الغربي، وقطع أي طريق نحو حلول سلمية منفردة مع الجانب الإيراني.

ويؤكد المحللون أن المحك الآن أمام دول الخليج، يتمثل في مدى قدرتها على الإفلات من هذا المخطط الذي يسعى لتوريطها في حرب استنزاف شاملة، خاصة وأن المعطيات الحالية تشير إلى أن المنطقة تسير نحو مواجهة قد تعيد رسم خرائط النفوذ بالكامل، وسط تحذيرات من أن حريق الحرب إذا اشتعل، فلن يتوقف عند حدود المنشآت العسكرية، بل سيطال عصب الاقتصاد العالمي واستقرار المنطقة لعقود قادمة.

وعليه يمكن القول:

​في الختام، يبدو أن منطقة الخليج تقف أمام اختبار “الوعي الاستراتيجي” في مواجهة “الفخ المعلوماتي”؛ فالحرب التي تُقاد عبر عناوين الصحف العالمية تهدف في جوهرها إلى سد منافذ الهروب من الصدام الشامل.

إن نجاح القوى الغربية في تحويل الصراع إلى مواجهة (إقليمية – إيرانية) سيعني بالضرورة إعادة رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط لعقود قادمة، حيث ستكون كلفة “الأمن المستورد” هي الانخراط في حرب استنزاف طويلة الأمد، لا تقتصر تداعياتها على المنشآت النفطية أو الممرات المائية، بل تمتد لتطال صلب الاستقرار الاجتماعي والسياسي للمنطقة.

​إن المخرج الوحيد من هذا المخطط يكمن في قدرة دول المنطقة على استعادة زمام المبادرة الإعلامية والدبلوماسية، ورفض الانصياع لسيناريوهات “الصدام المصمم مسبقاً”.

فإذا لم تنجح العواصم الخليجية في تفكيك شيفرة هذه التسريبات والتعامل معها كأدوات “ضغط وتوريط” لا كحقائق مفروضة، فإنها قد تجد نفسها وقوداً لمعركة لم تختر توقيتها، ولصراع لن تكون هي المستفيد الأكبر من نتائجه، مهما كانت الوعود بالدفاع والتحالف.

ففي لعبة الأمم الكبرى، غالباً ما تكون القوى الإقليمية هي “الميدان” بينما تبقى القوى الدولية هي “الحكم والمستفيد”.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com