“تقرير“| عرب جورنال: هل بدأ المجلس الانتقالي الانقلاب السياسي على السعودية؟.. قراءة في أخطر تصريحات أحمد بن بريك..!
أبين اليوم – تقارير
تشير التصريحات الأخيرة لنائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، أحمد سعيد بن بريك، إلى تحول نوعي في الخطاب السياسي للمجلس تجاه السعودية، بعد سنوات اتسمت فيها الانتقادات بالتركيز على الحكومة اليمنية والقوى المحسوبة على حزب الإصلاح.
فقد حمّل بن بريك الرياض مسؤولية مباشرة عن استمرار الأزمة اليمنية، معتبراً أن إدارتها للملف خلال السنوات الماضية أسهمت في إطالة أمد الحرب ومنحت خصومها فرصاً لتعزيز مواقعهم.
ويأتي هذا الخطاب في ظل تصاعد التوتر بين المجلس الانتقالي والسعودية، على خلفية الخلافات المتعلقة بملفي حضرموت والمهرة، وما رافقها من تباين متزايد بشأن مستقبل الجنوب وآليات إدارة المناطق الواقعة ضمن نفوذ التحالف.
ولم يقتصر حديث بن بريك على انتقاد أداء الحكومة اليمنية أو القوى السياسية المنافسة، بل انتقل إلى تحميل السياسة السعودية نفسها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. وأكد أن اليمنيين في الشمال والجنوب استنفدوا كل أسباب الصبر بعد أكثر من عقد من الحرب، معتبراً أن طريقة إدارة الرياض للملف اليمني كانت أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الأزمة.
وتضمن الخطاب رسالة أكثر عمقاً عندما طرح احتمالين لتفسير السياسة السعودية؛ الأول أن القائمين على إدارة الملف اليمني داخل المملكة يقودونها إلى خيارات خاطئة، والثاني أن ما يحدث قد يكون سياسة مقصودة، وهو ما أوحى به بقوله إن ما يجري قد يكون “متعمدًا”. ويعد هذا الطرح تصعيداً سياسياً لافتاً، لأنه يتجاوز انتقاد سوء الإدارة إلى التشكيك في طبيعة الأهداف التي تحكم السياسة السعودية في اليمن.
وفي الوقت ذاته، حافظ بن بريك على انتقاداته التقليدية لجماعة الإخوان المسلمين، معتبراً أنها تقف خلف كثير من السياسات التي أضرت بالمملكة وبالمشهد اليمني، إلا أنه لم يعفِ السعودية من المسؤولية، مؤكداً أن استمرار الاعتماد على تلك القوى رغم إخفاقاتها يمثل جزءاً من المشكلة، وأن القرار السعودي هو الذي أبقى هذا النفوذ قائماً.
كما ركز على ما وصفه بخسارة السعودية لمعركة الرأي العام داخل اليمن، مشيراً إلى أن جماعة أنصار الله نجحت في ترسيخ قناعة لدى شريحة واسعة من اليمنيين بأن الرياض تتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وأن الأداء السعودي خلال السنوات الماضية وفر مادة سياسية وإعلامية عززت هذا الانطباع، في ظل استمرار الأزمات المعيشية وتراجع الخدمات.
وانتقد أيضاً الجهات التي تنقل صورة غير دقيقة لصانع القرار السعودي، معتبراً أنها توحي بأن الأوضاع تسير في الاتجاه الصحيح وأن خصوم الرياض يقتربون من الهزيمة، بينما تكشف الوقائع الميدانية والسياسية نتائج مختلفة.
ومن خلال ذلك، أشار إلى أن الأزمة لا ترتبط بالخيارات السياسية فحسب، وإنما تمتد إلى آليات صناعة القرار وتقييم الواقع.
وتتجاوز هذه التصريحات حدود الساحة اليمنية، إذ تحمل رسالة سياسية مفادها أن المجلس الانتقالي يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه طرفاً مستقلاً عن السياسات السعودية، ولم يعد مستعداً لتحمل تبعاتها أمام الشارع الجنوبي أو الدفاع عنها، وهو ما ينسجم مع تصاعد الانتقادات العلنية للرياض خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بحضرموت والمهرة.
وعليه يمكن القول:
تعكس تصريحات أحمد سعيد بن بريك تحولاً استراتيجياً في طبيعة العلاقة بين المجلس الانتقالي والسعودية، إذ يبدو أن الانتقالي انتقل من مرحلة إدارة الخلافات خلف الأبواب المغلقة إلى مرحلة توظيفها سياسياً وإعلامياً بصورة علنية.
فالمجلس لم يعد يوجه رسائله إلى الحكومة اليمنية أو حزب الإصلاح فقط، بل بات يضع الرياض نفسها في دائرة المساءلة السياسية، وهو تطور يعكس اتساع فجوة الثقة بين الطرفين.
ويحمل توقيت هذه التصريحات دلالات مهمة، إذ يأتي بالتزامن مع احتدام التنافس السعودي–الإماراتي في المحافظات الشرقية، ولا سيما حضرموت والمهرة، حيث تتباين رؤى الطرفين بشأن مستقبل النفوذ العسكري والإداري.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة خطاب بن بريك باعتباره محاولة لإعادة تموضع المجلس الانتقالي، وإبعاد نفسه عن مسؤولية الإخفاقات التي ارتبطت بفترة الشراكة مع الرياض، تمهيداً لتقديم نفسه أمام جمهوره باعتباره مشروعاً سياسياً مستقلاً لا تابعاً للتحالف.
كما يكشف الخطاب عن سعي الانتقالي إلى إعادة صياغة روايته السياسية، عبر تحميل السعودية مسؤولية الجزء الأكبر من مخرجات الحرب، في مقابل تقديم نفسه كقوة كانت، وفق خطابه، مقيدة بقرارات الحليف الإقليمي.
وتتيح هذه المقاربة للمجلس هامشاً أوسع للمناورة داخلياً، خصوصاً مع تصاعد الغضب الشعبي من الأوضاع الاقتصادية والخدمية في المحافظات الجنوبية.
وفي المقابل، تمثل هذه التصريحات ضغطاً سياسياً مباشراً على الرياض، لأنها تصدر من أحد أبرز القيادات المحسوبة على حليفها الجنوبي، ما يعني أن الخلافات لم تعد تقتصر على التنافس الميداني، بل امتدت إلى مستوى السردية السياسية وتحميل المسؤوليات.
وإذا استمرت هذه الوتيرة، فقد تجد السعودية نفسها أمام تحدٍ يتمثل في تراجع قدرتها على الحفاظ على تماسك القوى الحليفة لها، في وقت تتزايد فيه التعقيدات الميدانية والإقليمية.
وفي المحصلة، فإن خطاب بن بريك لا يبدو مجرد انتقاد عابر، بل يمثل مؤشراً على إعادة تموضع سياسي قد يسبق تحولات أوسع في شبكة التحالفات داخل اليمن. وإذا استمر هذا المسار، فإن العلاقة بين المجلس الانتقالي والرياض قد تدخل مرحلة جديدة تتسم بالمنافسة السياسية المفتوحة، مع بقاء التعاون التكتيكي في بعض الملفات، وهو ما قد يعيد رسم توازنات الجنوب ويؤثر في مجمل المشهد اليمني خلال المرحلة المقبلة.