الجزيرة تكشف خفايا صعود آل سعود.. «راتب شهري» ودعم بريطاني ومعاهدة مهدت للسيطرة على نجد والحجاز وتنفيذ أجندة لندن..!
أبين اليوم – وكالات
أعادت مادة تاريخية نشرتها قناة الجزيرة عام 2018 تسليط الضوء على جانب مثير للجدل من العلاقة المبكرة بين عبد العزيز آل سعود وبريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، مستندة إلى وثائق ومراسلات بريطانية توثق طبيعة التحالف الذي نشأ بين الطرفين، والدعم المالي والعسكري الذي حصل عليه ابن سعود مقابل التزامه بقيود سياسية وعسكرية فرضتها المعاهدة الموقعة بين الجانبين.
وتوضح المادة، التي كتبها عز الدين عمر تحت عنوان «لماذا خصّص البريطانيون راتباً شهرياً لعبد العزيز آل سعود؟»، أن اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 دفع بريطانيا إلى تغيير سياستها تجاه الجزيرة العربية، والبحث عن حلفاء داخلها بعدما كانت تركز بصورة أساسية على حماية مصالحها على ساحل الخليج.
وفي هذا السياق أعادت لندن التواصل مع عبد العزيز آل سعود عبر ضابط الاتصال البريطاني الكابتن وليام شكسبير، بهدف توظيف نفوذه في مواجهة إمارة جبل شمر المتحالفة مع الدولة العثمانية.
وتشير الوثائق التي استندت إليها الجزيرة إلى أن بريطانيا كانت تنظر إلى ابن سعود باعتباره قوة يمكن أن تخدم مصالحها الاستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في حال انهيار النفوذ العثماني في العراق والجزيرة العربية.
ونقلت المادة عن برقية بريطانية أن الرغبة في عقد معاهدة مع ابن سعود لم تكن مرتبطة فقط بالحاجة إلى كسب صداقته خلال الحرب، وإنما أيضاً بالتوقع البريطاني بأن يصبح أمير نجد صاحب نفوذ واسع في وسط الجزيرة وعلى أجزاء من الساحل.
وبحسب المادة، قدم ابن سعود للبريطانيين معلومات عن خطة عثمانية للدفاع عن البصرة، تضمنت أدواراً عسكرية للسعوديين وحلفاء عثمانيين آخرين في الجزيرة العربية، وهو ما دفع المسؤولين البريطانيين إلى الإسراع في السعي لإبرام اتفاق يحافظ على موقع ابن سعود داخل الفلك البريطاني.
وتكشف البرقيات التي أوردتها الجزيرة عن قلق بريطاني من احتمال دفع الظروف ابن سعود إلى الانحياز للعثمانيين إذا لم يحصل على ضمانات بريطانية واضحة.
وفي 26 ديسمبر/كانون الأول 1915، وقّع الملازم البريطاني بيرسي كوكس مع عبد العزيز آل سعود ما عُرف لاحقاً بـ«معاهدة دارين»، التي صادق عليها نائب الملك البريطاني في الهند في يوليو/تموز 1916.
ونصت المعاهدة على اعتراف بريطانيا بسيادة ابن سعود على نجد والقطيف وجبيل والمناطق التابعة لها، مقابل التزامه بعدم الدخول في أي اتفاق أو معاهدة مع دولة أجنبية، وعدم التنازل عن الأراضي أو تأجيرها أو رهنها أو منح امتيازات فيها لأي دولة أجنبية دون موافقة الحكومة البريطانية.
وفي المقابل، حصل ابن سعود على دعم مالي وعسكري بريطاني، شمل وفق المادة ألف بندقية ورشاش، ومئة ألف وحدة ذخيرة، إضافة إلى راتب شهري بلغت قيمته خمسة آلاف جنيه إسترليني. وتبرز الوثائق أهمية هذه المساعدات في تعزيز قدرة ابن سعود على مواجهة خصومه المحليين، وفي مقدمتهم آل رشيد والعجمان والمرة، وتوسيع نفوذه في نجد.
وتورد المادة كذلك وقائع عدة اعتبرتها دليلاً على عمق التعاون بين الطرفين خلال الحرب، من بينها رفض ابن سعود الصلح مع أمير جبل شمر، وإحالته مراسلات ابن الرشيد إلى بيرسي كوكس، فضلاً عن استيلائه على قافلة من نحو 700 جمل كانت مخصصة لدعم القوات العثمانية وتسليمها للبريطانيين في الكويت.
كما تكشف الوثائق عن لجوء ابن سعود إلى كوكس طلباً للتطمينات عندما تصاعد التنافس مع الشريف حسين، حيث حصل على تعهد بريطاني بحماية استقلاله شريطة عدم تدخل الشريف في شؤون نجد وعدم ادعائه قيادة العرب.
وتشير المادة إلى أن مؤتمر الكويت الذي عقده بيرسي كوكس في نوفمبر/تشرين الثاني 1916، بحضور عبد العزيز آل سعود وعدد من شيوخ الخليج وزعماء القبائل، كان جزءاً من الجهد البريطاني لتنسيق القوى العربية المناهضة للدولة العثمانية ودعم الثورة في الحجاز. وتقديراً لدور ابن سعود في هذا السياق، قلّده كوكس وشاح «فارس الإمبراطورية الهندية».
تحليل:
ما كشفته الوثائق البريطانية ليس مجرد تفاصيل أرشيفية عن تحالف قديم، بل هو شهادة إدانة لمسار سياسي تأسس على الارتهان لا على السيادة. فمنذ اللحظة الأولى، لم يكن عبد العزيز آل سعود يبحث عن مشروع وطني لتحرير الجزيرة من الهيمنة العثمانية، بل كان يساوم على موقعه في لعبة النفوذ الاستعمارية، مستخدماً ولاءه سلعة تُشترى بالراتب والسلاح والأوسمة.
والأخطر أن هذه العلاقة لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل وضعت القاعدة الجينية للكيان الذي قام لاحقاً: دولة وُظفت لضرب العمق العربي، وتقسيم الأدوار بين الشيوخ والملوك تحت وصاية خارجية، ومنع أي مشروع عربي جامع.
وبقدر ما منحت بريطانيا ابن سعود “المشاهرة” ووشاح الإمبراطورية، كانت تنتزع منه القرار والثروة والسيادة، وتزرع بذور كيانات إقليمية متنافرة ما تزال المنطقة تدفع ثمن انفجارها حتى اليوم.
الوثائق لا تتحدث عن الماضي وحده؛ إنها تكشف آلية مستمرة: تحويل النخب الحاكمة إلى أدوات وظيفية بيد القوى الكبرى، تحت شعارات الاستقلال والسيادة، بينما يبقى الجوهر استمراراً للتبعية بأشكال أكثر نعومة.