“تعز“| سائق باص ينهار باكيا بعد توقف باصه ومصدر دخله الوحيد بسبب أزمة الغاز..!
أبين اليوم – خاص
انهار سائق باص صغير في مدينة تعز، باكياً، بعد توقف مصدر دخله الوحيد بسبب أزمة الغاز المنزلي، مؤكداً أن أسرته لم يعد لديها سوى كيلو واحد من الدقيق.
وقال السائق، في حديث مؤثر، إن باصه يمثل مصدر رزقه الوحيد، ولا يمتلك راتباً أو أي مورد مالي آخر، مشيراً إلى أن توقفه عن العمل يعني انقطاع الدخل الذي تعتمد عليه أسرته بالكامل.
وأوضح أنه حاول تسجيل اسمه ضمن برامج المساعدات، إلا أنه أُبلغ بأن امتلاكه باصاً يحول دون شموله بالمساعدات، رغم عدم امتلاكه أي مصدر دخل آخر.
وخلال حديثه عن أوضاع أسرته، لم يتمالك السائق نفسه، ومزق ثيابه مردداً أنه لم يعد قادراً على تحمل الظروف المعيشية القاسية، قبل أن يتساءل عن دور الحكومة في ظل ما يواجهه المواطنون من أزمات متفاقمة.
وأضاف أن أطفاله يتصلون به عبر الهاتف ويطلبون منه شراء «حبة زبادي»، في وقت لا يجد فيه ما يكفي لتوفير الاحتياجات الأساسية لأسرته، في مشهد يعكس حجم الضغوط المعيشية التي خلفتها أزمة الغاز وانعكاساتها على أصحاب المهن والأسر محدودة الدخل.
تحليل:
في مشهد سائق تعز لا تكتمل صورةُ الانهيار الفردي فحسب، بل تتجسد مأساةُ وطنٍ كامل تحوّل فيه “الباص” من وسيلة رزقٍ إلى شاهد قبرٍ متنقل للكرامة.
الرجل الذي مزّق ثيابه لم يكن يُعبّر عن يأسٍ شخصي عابر، بل كان يُجسّد لحظةَ انكشافٍ عنيف لمنطقٍ معكوس: أن تمتلك وسيلة عملٍ يصبح جريمةً تُقصيك من المساعدات، بينما تعجز عن تشغيلها لأن الدولة الغائبة عجزت عن تأمين الوقود، ولأن المنظومة الإغاثية لا ترى في “الأصول” إلا أرقامًا جامدة، لا واقعًا يطحن أجساد الأطفال الذين يحلمون بحبة زبادي.
هنا لا يبكي الرجل على لقمة العيش فحسب، بل على انهيار المعنى نفسه: حين يصبح العمل مستحيلًا، والاستحقاق الإنساني رهينةَ تصنيفاتٍ بيروقراطية، تتحول الحياة إلى انتظارٍ يومي للموت البطيء.
المفارقة الأعمق أن هذه الحالة ليست استثناءً يُروى للشفقة، بل قاعدةٌ صامتة تتكاثر في المدن اليمنية تحت وطأة اقتصادٍ ميتٍ وسياساتٍ إغاثيةٍ تكرّس الفقر بدل أن تفككه. معايير الاستحقاق التي تستبعد من يملك باصًا ولا يستطيع تشغيله تكشف عن عنفٍ بنيوي خفي:
إنها تعاقب الإنسان على بقايا حياةٍ سابقة، وتعامله كملفٍ إداري لا كجسدٍ ينهار. السؤال الذي طرحه السائق “أين الحكومة؟” ليس استفهامًا بريئًا، بل اتهامٌ مُرّ لواقعٍ أصبحت فيه الدولة طرفًا في الأزمة لا ضامنًا للخلاص، بينما تتحول المساعدات الإنسانية إلى مخدّرٍ اجتماعيٍ يدير البؤس بدل أن يوقف نزيفه.
إنها لحظةُ اعترافٍ صادمة بأن النظام القائم، بكل تفريعاته، لم يعد قادرًا على رؤية الإنسان إلا من خلال فئاتٍ جامدة: “يملك / لا يملك” – بينما الحقيقة أكثر قسوة: يملك باصًا، لكنه لا يملك حتى ثمن زبادي لطفله.
الأخطر من الجوع أن هذه الصور تتكرر حتى تصبح “نفس الشي” – كما قيل – أي خلفيةً يوميةً مألوفة، وهذا هو الموت الأعظم: تطبيع الانهيار حتى يفقد قدرته على الصدمة. لكن تمزيق السائق لثيابه هو لحظةُ تمردٍ جسدية على هذا التطبيع؛ إنه رفضٌ أخير للصمت أمام حكومةٍ غائبة، ومنظومةٍ إغاثيةٍ عمياء، وعالمٍ يكتفي بالمشاهدة.