“تقرير“| من إدارة النفوذ إلى صناعة الفوضى: الجنوب اليمني ساحة صراع مفتوح بين الرياض وأبوظبي..!

8٬000

أبين اليوم – تقارير 

لم يعد المشهد في جنوب اليمن قابلاً للقراءة ضمن إطار “اختلالات أمنية” أو “تباينات سياسية” عابرة، بل بات يعكس تحولاً بنيوياً في طبيعة الصراع ذاته.

ما يجري هو إعادة تشكيل قسرية لمراكز القوة، حيث تتحول الجغرافيا إلى ساحة تنازع مفتوحة بين مشاريع إقليمية متنافسة، تستخدم الأدوات المحلية كأذرع تنفيذ لا كحلفاء متكافئين.

في هذا السياق، تتلاشى الحدود بين الفعل السياسي والأمني، ويُعاد تعريف الاستقرار ليس كهدف، بل كورقة ضغط تُدار عبر خلق الأزمات وتدويرها.

الجنوب، وفق هذه المعادلة، لم يعد مجرد مسرح للصراع، بل أصبح أداة فيه؛ تُعاد هندسة واقعه عبر الفوضى الممنهجة، بما يخدم إعادة توزيع النفوذ الإقليمي على حساب أي إمكانية لبناء سلطة مستقرة أو مشروع وطني جامع.

وتكشف التطورات الجارية في جنوب اليمن أن الصراع بين الرياض وأبوظبي يوظف الفوضى الأمنية و الأزمات الخدمية والاقتصادية كأداة ضغط متبادل.

في هذا السياق، مثّل خطاب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، مساء أمس، بمناسبة الذكرى التاسعة لإعلان عدن، تصعيد جديد للمجلس تجاه السعودية، إذ حمل مضامين تصعيدية مباشرة عكست رفضاً صريحاً للخطط السعودية الرامية إلى إعادة هيكلة ودمج قوات المجلس الانتقالي ضمن ترتيبات عسكرية جديدة تشرف عليها الرياض.

وقد بدا الزبيدي في خطابه حاسماً في رسم حدود الاشتباك السياسي مع السعودية، حين أعلن أن قوات المجلس تمثل “خطاً أحمر” لا يمكن المساس به، وأنه لن يسمح بتفكيكها أو إضعافها، مؤكداً المضي في بناء مؤسسة عسكرية تابعة للمجلس، ومجدداً تمسكه بخيار “تقرير المصير” و”بناء الدولة الجنوبية المستقلة”، مع رفض أي تسويات لا تنطلق من ما وصفه بـ”الإرادة الشعبية الجنوبية”.

ويكشف هذا الخطاب أن المجلس الانتقالي انتقل من موقع المناورة السياسية مع الرياض إلى موقع المواجهة المباشرة معها وذلك بإيعاز من الإمارات، في لحظة تشعر فيها أبو ظبي بأن السعودية تتحرك لإنهاء نفوذها العسكري والسياسي في الجنوب.

ولم يأت خطاب الزبيدي في فراغ سياسي، بل سبق بساعات تحركات ميدانية واسعة يحضّر لها أنصار المجلس الانتقالي في المحافظات الجنوبية، وعلى رأسها الفعالية المركزية التي دعت إليها قيادات المجلس في ساحة العروض بمدينة عدن، والتي تتجاوز في مضمونها البعد الاحتفالي المرتبط بذكرى تأسيس المجلس، لتتحول إلى محاولة لإعادة إنتاج “التفويض الشعبي” للزبيدي في مواجهة الضغوط السعودية المتصاعدة.

وقد اكتسبت هذه الفعالية أهمية إضافية في ضوء الحشد الجماهيري الذي سبقها، ووصول المئات من أنصار الانتقالي إلى عدن، وسط تعبئة سياسية وإعلامية مكثفة، في وقت لا يزال الغموض يلف مكان إقامة الزبيدي منذ مغادرته عدن في يناير الماضي.

وفي المقابل، عكست التحركات المضادة من جانب القوات الموالية للسعودية حجم التوتر القائم داخل المدينة، بعد أن أقدمت تلك القوات على تمزيق صور الزبيدي وإزالة أعلام وشعارات المجلس الانتقالي من بعض شوارع عدن، بالتزامن مع انتشار عسكري مكثف في عدد من أحياء المدينة.

وقد حملت هذه الإجراءات رسائل سياسية وأمنية واضحة، مفادها أن الرياض تتحرك ميدانياً لمنع المجلس الانتقالي من تحويل الحشد الجماهيري إلى أداة لإعادة فرض وقائع سياسية جديدة داخل عدن، الأمر الذي يجعل المدينة تقف على حافة تصعيد مفتوح خلال الساعات المقبلة.

ويأتي هذا التصعيد السياسي والعسكري في عدن متزامناً مع تدهور أمني متسارع يعكس هشاشة المنظومة الأمنية التي أُعيد تشكيلها في المدينة طوال السنوات الماضية تحت إشراف التحالف السعودي الإماراتي.

فقد شهدت عدن مساء الأحد جريمة اغتيال جديدة تمثلت في مقتل القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قايد، بعد ساعات من اختطافه من أمام منزله على يد مسلحين مجهولين، في حادثة أعادت إلى الواجهة مشهد الاغتيالات المنظمة الذي لطالما شكّل أحد أبرز ملامح الفوضى الأمنية في المدينة.

وتكتسب هذه الحادثة دلالة إضافية لأنها جاءت بعد يومين فقط من عملية اغتيال أخرى استهدفت قيادياً في حزب الإصلاح، بما يعكس عودة واضحة لاستخدام الاغتيالات كأداة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية داخل عدن، سواء عبر تصفية الخصوم أو توجيه رسائل ترهيب إلى القوى المحلية.

كما أن تكرار هذه الحوادث في توقيت متزامن مع التصعيد السياسي بين أدوات الرياض وأبوظبي يكشف أن الانفلات الأمني لم يعد مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل بات جزءاً من أدواته الضاغطة.

وفي موازاة التوتر المتصاعد في عدن، برزت مدينة المكلا بوصفها ساحة أخرى للاحتقان المتنامي في الجنوب، فقد شهدت المدينة خلال الساعات الماضية موجة احتجاجات شعبية غاضبة، أقدم خلالها محتجون على إغلاق الشوارع الرئيسية بالإطارات المشتعلة والأحجار، احتجاجاً على التدهور الحاد في خدمة الكهرباء ووصول ساعات الانقطاع إلى مستويات غير مسبوقة.

وتعكس هذه الاحتجاجات أن حالة التآكل في الجنوب لم تعد مقتصرة على الصراع السياسي والأمني، بل امتدت إلى المجال الخدمي والمعيشي، بما يضاعف من حجم الضغط على السلطات المحلية والحكومة الموالية للسعودية.

كما تشير إلى أن هشاشة الوضع في المحافظات الجنوبية باتت بنيوية، حيث يتغذى الانهيار الأمني من التدهور الخدمي، ويتغذى السخط الشعبي من العجز الإداري، في حلقة متصلة من التفكك يصعب احتواؤها بالمعالجات الأمنية التقليدية.

وتعزز التطورات البحرية الأخيرة هذا التقدير، بعد أن كشفت حادثة اختطاف ناقلة النفط (M/T EUREKA) قبالة سواحل شبوة عن مستوى بالغ الخطورة من الهشاشة الأمنية والعسكرية في الجنوب.

فقد اضطرت مصلحة خفر السواحل في عدن إلى الاعتراف بفشلها في اعتراض الناقلة المختطفة، رغم إرسال ثلاثة زوارق دورية من عدن وشبوة لملاحقتها، قبل أن تواصل إبحارها باتجاه السواحل الصومالية وهي تحت سيطرة مسلحين صوماليين.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأنه لا يكشف فقط ضعف القدرات العملياتية للقوات البحرية الموالية للسعودية، بل يفضح أيضاً محدودية فاعلية المنظومة الأمنية التي جرى بناؤها طوال السنوات الماضية بدعم خارجي واسع.
كما أن توقيت الحادثة يمنحها بعداً سياسياً إضافياً، إذ جاءت بعد إعلان السعودية نشر قطع بحرية في خليج عدن لمنع وصول أي تعزيزات إماراتية إلى المجلس الانتقالي، ما يجعلها مؤشراً على اتساع الفجوة بين مظاهر الانتشار العسكري المعلن والقدرة الفعلية على فرض السيطرة وتأمين المجال البحري.

في المجمل، تكشف التطورات المتسارعة في المحافظات الجنوبية أن الوضع يتجه نحو مرحلة أكثر هشاشة واضطراباً، وبينما تتسع دوائر التوتر من عدن إلى المكلا ومن الشارع إلى البحر، فإن المشهد العام يوحي بأن الجنوب مقبل على مرحلة تصعيد مركب على كل المستويات.

وعليه يمكن القول:

ما يتكشف في الجنوب لم يعد صراع نفوذ قابل للاحتواء، بل عملية تفكيك ممنهجة لبنية الدولة تُدار بأدوات الفوضى نفسها.

السعودية والإمارات لم تعودا تتنافسان على النفوذ بقدر ما تتصارعان على هندسة الفراغ، حيث تُستخدم الاغتيالات، والانهيار الخدمي، وحتى الاختراقات البحرية كأدوات ضغط مباشرة لإعادة رسم موازين القوة.

خطاب الزبيدي لم يكن مجرد تصعيد سياسي، بل إعلان كسر لقواعد الاشتباك السابقة، ووضع خطوط تماس جديدة مع الرياض. في المقابل، تبدو السعودية عاجزة عن ترجمة انتشارها العسكري إلى سيطرة فعلية، ما يجعل تحركاتها أقرب إلى محاولات احتواء متأخرة في بيئة خرجت عن السيطرة.

النتيجة أن الجنوب ينزلق نحو نموذج “الفوضى المُدارة بالقوة”، حيث تتآكل السلطة لصالح شبكات مسلحة متناحرة، ويتحول الشارع إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. وإذا استمر هذا المسار، فإن ما يجري لن يتوقف عند حدود صراع سعودي–إماراتي، بل سيفتح الباب لانهيار أعمق يعيد إنتاج الجنوب كساحة صراع مفتوح بلا سقف زمني أو سياسي.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com