“قسم الولاء الرقمي الإلزامي” في الإمارات.. تعزيز للهوية أم مؤشر على أزمة ثقة داخلية..!
أبين اليوم – خاص
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أطلقت الإمارات حملة رقمية تحت عنوان “العهد والالتزام”، تدعو المواطنين والمقيمين إلى توقيع تعهد إلكتروني بالولاء لرئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، في مبادرة حاولت أبوظبي تقديمها كجزء من ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء السياسي.
غير أن توقيت الحملة وطبيعتها الرقمية فتحا باباً واسعاً للتساؤلات حول الدوافع الحقيقية خلفها، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات الإقليمية والدولية للسياسات الإماراتية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى التدخلات الإقليمية أو التحالفات السياسية والأمنية المثيرة للجدل.
ويرى مراقبون أن لجوء السلطات إلى جمع “تعهدات ولاء” إلكترونية، تشمل حتى المقيمين الأجانب، يعكس حالة قلق متزايدة داخل بنية النظام السياسي، ومحاولة لقياس المزاج العام وإعادة إنتاج صورة التماسك الداخلي عبر أدوات رقمية ذات طابع تعبوي.
وبحسب هؤلاء، فإن الأنظمة المستقرة عادة ما تبني شرعيتها على التوافق المجتمعي والإنجازات السياسية والاقتصادية، لا عبر حملات ولاء جماعية قد تُفسَّر كرسائل خوف أو استباق لأي تحولات محتملة في المزاج الشعبي.

وتأتي المبادرة أيضاً في سياق ضغوط متزايدة تواجهها أبوظبي بسبب سياساتها الخارجية، خصوصاً بعد انخراطها العلني في “الاتفاقيات الإبراهيمية” وتوسيع التعاون الأمني والاقتصادي مع كيان الاحتلال، وهي خطوات أثارت انتقادات واسعة في الشارع العربي، ودفعت كثيرين لاعتبارها خروجاً عن المزاج الشعبي العربي التقليدي تجاه القضية الفلسطينية.
كما أشار مراقبون إلى أن الحملة قد تتحول إلى مادة إضافية تستخدمها المنظمات الحقوقية الدولية، خاصة مع وجود انتقادات متكررة لسجل الحريات العامة وحرية التعبير في الإمارات، حيث قد يُنظر إلى “قسم الولاء” باعتباره شكلاً من أشكال الضغط السياسي أو الرقابة المعنوية على السكان.
تحليل:
تكشف حملة “العهد والالتزام” عن تحول لافت في سلوك الأنظمة الخليجية من أدوات النفوذ التقليدية إلى أدوات التعبئة الرقمية، لكن المفارقة أن هذه الخطوة، بدلاً من إظهار الثقة، تعكس شعوراً متنامياً بالحاجة إلى تأكيد الولاء بصورة علنية ومستمرة.
فحين تلجأ السلطة إلى طلب “توقيع سياسي” من المواطنين والمقيمين، فإن الرسالة الضمنية لا تتعلق فقط بالهوية الوطنية، بل بالخوف من تآكلها أو ضعف تماسكها تحت ضغط التحولات الإقليمية والتحالفات المثيرة للجدل.
وفي الوقت الذي كان يفترض أن تكون فيه دولة الإمارات منشغلة بتعزيز مكانتها الإقليمية عبر سياسات خارجية متزنة وبناء جسور الثقة مع محيطها العربي، نجدها تلجأ إلى أدوات أقرب إلى “استفتاءات البقاء” المبطّنة، في مشهد يُعمّق من ملامح الأزمة البنيوية التي تعيشها منظومة الحكم في أبوظبي.
فحملة “العهد والالتزام” ليست مجرد خطوة تكنولوجية لجمع التوقيعات، بل هي اعتراف ضمني بأن الشرعية لم تعد تُستمد من الإنجاز أو الإجماع، بل باتت تُستجدى عبر منصات رقمية توحي بالتطوع وتُخفي إكراهاً ناعماً.
ما بين سطور هذه المبادرة، ثمة رسالة مزدوجة: خارجياً، هي محاولة يائسة لترميم صورة نظامٍ بات يُنظر إليه كعنصر إقليمي مثير للقلق، وداخلياً، هي إشارة إلى تصدّع عقد الثقة بين الحاكم والمحكوم، حيث يُطلب من الجميع -مواطنين ومقيمين- توقيع “قسم” أقرب إلى بيعة سياسية في زمن السلم، وكأنما الدولة تحولت إلى حزب أو طائفة تحتاج إلى تجديد البيعة بشكل دوري خوفاً من التآكل.
والأخطر أن هذه الحملة تأتي في سياق تحذيرات مراكز الأبحاث الدولية من “المأزق الخليجي”، وكأن النظام في أبوظبي يُدرك أنه صار في مرمى النقد العالمي، ليس فقط بسبب سجله الحقوقي، بل بسبب سياساته الخارجية التي حوّلته من وسيط مقبول إلى طرف مستفز.
فالارتماء في المشروع الإبراهيمي والتحالف اللوجستي مع إسرائيل لم يجلب لأبوظبي أماناً استراتيجياً، بل أورثها عزلةً معنويةً عمّقت الفجوة بينها وبين الشارع العربي، وجعلتها تبدو ككيان يبحث عن غطاء “ولاء رقمي” بعد أن فقد الغطاء السياسي والأخلاقي.
إن “الاستجداء الرقمي للولاء” كما وصفه المراقبون، ليس إلا عرضاً سطحياً لمرض استراتيجي أعقد. فالأنظمة المستقرة لا تطلب من مواطنيها والمقيمين على أرضها توقيع تعهدات، لأن ثقتها بنفسها تجعل شرعيتها تحصيل حاصل.
أما حين تتحول الهوية الوطنية إلى استمارة إلكترونية، والولاء إلى مادة للقياس الكمي، فهذا يعني أن النظام بات يخشى حتى من صمت الداخل، قبل ضجيجه.
وفي المحصلة، ما بدا وكأنه “احتفاء بالهوية” هو في العمق “تسجيل حضور” لمنظومة تشعر بأنها على مفترق طرق، وتريد أن تطمئن -ولو افتراضياً- إلى أن أقدامها ما زالت على الأرض، بينما كل المؤشرات تقول إن الأرض من تحتها تتصدع.