“تقرير“| مفاوضات غزة تراوح مكانها.. «مجلس السلام» بين ضغوط نزع السلاح وشبح استئناف الحرب..!
أبين اليوم – تقارير
تشهد المفاوضات غير المباشرة الخاصة بترتيبات المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حراكاً مكثفاً في العاصمة المصرية القاهرة، وسط محاولات متواصلة من الوسطاء لتقريب وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية و”مجلس السلام”، في ظل استمرار الخلاف حول الملفات الجوهرية، وعلى رأسها سلاح المقاومة، وموظفو غزة، وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية والإدارية.
ويأتي هذا الحراك بالتزامن مع تصاعد التقديرات الإسرائيلية التي تتحدث عن احتمال استئناف العمليات العسكرية في القطاع، في وقت تزداد فيه الشكوك الفلسطينية بشأن الدور الذي يؤديه “مجلس السلام” في إدارة المرحلة المقبلة، وسط اتهامات بأنه يتحول تدريجياً إلى أداة لفرض ترتيبات سياسية وأمنية تخدم الرؤية الإسرائيلية أكثر من كونها تمهد لتسوية عادلة.
– تهديدات إسرائيلية قبيل الانتخابات:
وكشفت القناة الثانية عشرة العبرية أن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى احتمال إعلان “مجلس السلام” خلال الشهرين أو الثلاثة المقبلة أن حركة حماس انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما قد يوفر لإسرائيل غطاءً سياسياً لاستئناف عملياتها العسكرية في المناطق التي لا تزال الحركة تفرض نفوذها عليها داخل قطاع غزة.
وبحسب التقرير، ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن حماس ما زالت تحتفظ ببنية تنظيمية وقدرات عسكرية تسمح لها بإعادة ترتيب صفوفها، رغم الخسائر التي تعرضت لها خلال الحرب، فيما تستبعد تل أبيب إمكانية قبول الحركة بنزع سلاحها طوعاً.
وأضاف التقرير أن فشل تنفيذ ترتيبات نزع السلاح قد يدفع إسرائيل إلى العودة للخيار العسكري، بما يعيد ملف غزة إلى واجهة المشهد السياسي الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات، التي يُتوقع أن يشكل الملف الأمني فيها أحد أبرز عناوين المنافسة بين القوى السياسية.
كما نقلت القناة عن مسؤول سياسي إسرائيلي أن المبعوث نيكولاي ملادينوف كان يعتزم قبل نحو شهرين إعلان حماس منتهكة للاتفاق، إلا أنه جمّد تلك الخطوة بناءً على طلب الوسطاء، لمنحهم فرصة إضافية لاستكمال جهود التوصل إلى تفاهمات.
– رد الفصائل الفلسطينية:
في المقابل، أكد مصدر مطلع في أحد فصائل المقاومة المشاركة في المفاوضات أن الفصائل سلّمت، الأربعاء، ردها المكتوب على الخطة الأخيرة التي طرحها ملادينوف، والتي تسلمها الوفد الفلسطيني خلال الجولة السابقة من المباحثات في القاهرة.
وأوضح المصدر أن الرد تضمّن موافقة مبدئية على الخطة، مع إبداء عدد من الملاحظات التي طالبت الفصائل بإدراجها لضمان إمكانية تنفيذها عملياً.
وأشار إلى أن أبرز الملاحظات تعلقت بملف موظفي قطاع غزة، في ظل رفض إسرائيل إعادة الموظفين المدنيين ورجال الشرطة الذين عملوا سابقاً في حكومة حماس، مؤكداً أن الفصائل شددت على ضرورة استيعاب جميع الموظفين المدنيين والعسكريين وفق التفاهمات السابقة، وصرف مستحقاتهم المالية المتراكمة عن السنوات الماضية.
وفيما يتعلق بسلاح المقاومة، أوضح المصدر أن الرد الفلسطيني تضمن قبولاً بمبدأ “التخزين والجمع والحصر”، دون القبول بأي إجراءات تمس البنية العسكرية للمقاومة أو الورش العسكرية أو أنواع الأسلحة المختلفة.
وأكد أن الفصائل اشترطت أن تتم أي ترتيبات بهذا الشأن وفق بروتوكول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وبإشراف هيئة فلسطينية مستقلة، مع رفض أي دور إسرائيلي في هذا الملف، وربط تنفيذ هذه الخطوات بانسحاب القوات الإسرائيلية الكامل من قطاع غزة، وبوجود ضمانات تقدمها قوات الاستقرار الدولية.
ورجح المصدر استمرار جولات التفاوض في القاهرة خلال الأيام المقبلة بانتظار الرد الإسرائيلي الرسمي، مع توقعات بأن تكون مواقف تل أبيب متشددة تجاه المقترحات الفلسطينية.
– تحذيرات من دور “مجلس السلام”:
في السياق، حذر المحلل السياسي مصطفى إبراهيم من خطورة الدور الذي يؤديه “مجلس السلام” في المرحلة المقبلة، معتبراً أن لجنة التكنوقراط المقترحة لا تمثل حلاً انتقالياً بقدر ما تشكل بديلاً عن المشروع السياسي الفلسطيني.
وأوضح أن الهيئة المقترحة ستكون جهازاً تنفيذياً يتلقى قراراته من مجلس دولي–إقليمي واسع الصلاحيات، لا يخضع لأي مساءلة فلسطينية، ويعمل بمنطق إدارة الاستقرار بدلاً من إنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة.
وأضاف أن هذا النموذج لا يمهد لإقامة دولة فلسطينية، بل يعزز إدارة غزة كوحدة منفصلة تخضع لإشراف دولي، بالتوازي مع استمرار تفتيت الضفة الغربية، بما يسمح لإسرائيل بالحفاظ على نفوذها الأمني والسياسي دون تحمل أعباء الاحتلال المباشر.
وأشار إبراهيم إلى أن تراجع الحضور الإسرائيلي المباشر لا يعني انتهاء الهيمنة، وإنما انتقالها إلى أدوات جديدة تعتمد على المجالس الدولية، وشروط التمويل، والضوابط الأمنية، داعياً إلى التعامل بحذر مع هذه الترتيبات، وإعادة الاعتبار للتمثيل السياسي الفلسطيني، وعدم اختزال القضية الفلسطينية في إدارة الجوانب المعيشية تحت الاحتلال.
وعليه يمكن القول:
تكشف هذه التطورات أن جوهر المفاوضات تجاوز مسألة تثبيت وقف إطلاق النار إلى صراع أعمق حول من سيملك القرار السياسي والأمني في قطاع غزة خلال مرحلة ما بعد الحرب.
فكيان الاحتلال لا يتعامل مع ملف نزع سلاح المقاومة باعتباره مطلباً أمنياً فقط، بل بوصفه مدخلاً لإعادة صياغة البيئة السياسية في القطاع بما يضمن منع عودة أي قوة فلسطينية قادرة على فرض معادلة ردع مستقبلاً، فيما يبدو أن “مجلس السلام” يتحرك ضمن هذا الإطار عبر ربط إعادة الإعمار والإدارة المدنية بترتيبات أمنية تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية، الأمر الذي يثير مخاوف واسعة من تحوله إلى أداة لإدارة غزة بدلاً من تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم وسيادتهم.
وفي المقابل، تحاول الفصائل الفلسطينية الحفاظ على هامش من المناورة عبر إبداء مرونة في بعض الملفات الإدارية والاقتصادية، مع التمسك بالثوابت المرتبطة بسلاح المقاومة والانسحاب الإسرائيلي والضمانات الدولية، إدراكاً منها أن أي تنازل غير مشروط قد يفتح الباب أمام فرض وقائع سياسية وأمنية يصعب التراجع عنها مستقبلاً. كما أن ربط تنفيذ أي إجراءات بانسحاب الاحتلال يعكس محاولة لمنع تحويل الترتيبات الأمنية إلى التزام فلسطيني أحادي، في مقابل استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وتتزامن هذه المفاوضات مع حسابات داخلية إسرائيلية معقدة، إذ يشكل ملف غزة إحدى أهم أوراق المنافسة الانتخابية، ما يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى إبقاء خيار التصعيد العسكري قائماً لاستخدامه عند الحاجة سياسياً.
ومن هنا، فإن أي إعلان يصدر عن “مجلس السلام” باعتبار المقاومة منتهكة للاتفاق قد يوفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لإعادة شن العمليات العسكرية، حتى وإن كانت أسباب الانهيار ناتجة عن تعثر التفاهمات أو تعنت الاحتلال.
وفي ضوء ذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لأن تكون اختباراً حاسماً ليس فقط لمصير اتفاق وقف إطلاق النار، وإنما أيضاً لمستقبل القضية الفلسطينية في غزة.
فإذا نجحت الأطراف الدولية في فرض نموذج إداري وأمني جديد ينتزع القرار الفلسطيني تدريجياً، فإن القطاع قد يدخل مرحلة طويلة من الوصاية الدولية المقيدة.
أما إذا تمسكت الفصائل بشروطها الأساسية وفشلت الضغوط في فرض الترتيبات المقترحة، فقد تعود المنطقة إلى دائرة المواجهة العسكرية، بما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية وسياسية تتجاوز حدود قطاع غزة إلى مجمل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.