«موت على الحدود».. تحقيق لقناة الجزيرة يكشف كيف حوّلت السعودية شباب اليمن إلى جدار بشري لحماية حدودها..!

7٬882

أبين اليوم – خاص 

عاد فيلم الجزيرة الاستقصائي «موت على الحدود»، الذي نشر عام 2020، إلى الواجهة مع عودة السعودية إلى تجنيد شباب يمنيين للقتال على حدودها الجنوبية، في محاولة لإعادة تشكيل ألوية يمنية تنتشر على جبهات الحدود، واستخدامها كقوة عسكرية بديلة لحماية الأراضي السعودية.

وكان التحقيق قد كشف، خلال فترة التوتر السعودي القطري، جوانب من آليات التجنيد التي اتبعتها الرياض، مستنداً إلى مشاهد حصرية وتسجيلات سرية وشهادات من مجندين وقيادات عسكرية ومسؤولين عن عمليات الحشد، أظهرت حجم الاعتماد على المقاتلين اليمنيين في المعارك الحدودية.

وأوضح الفيلم أن فريقه وثق آثار القصف في مدينة الربوعة السعودية، في وقت غاب فيه الجيش السعودي عن المشهد، بينما ظهر مقاتلون يمنيون في مواقع القتال على الحدود. كما رصد التحقيق معسكرات تجنيد الشباب اليمنيين والطرق التي يجري من خلالها استقطابهم ونقلهم إلى الجبهات.

وانطلقت رحلة التحقيق من شبكة السماسرة الذين يعملون على استقطاب الشباب وإقناعهم بالالتحاق بالقتال في الحد الجنوبي. وتمكن الفريق من التواصل مع أحد السائقين، الذي قال إنه كان ينقل نحو خمس دفعات من المجندين شهرياً، قبل أن يتراجع العدد بسبب مخاوف الأهالي من وجود متاجرة بالبشر.

وأشار السائق إلى انخفاض المقابل المالي الذي يحصل عليه عن كل مجند، من 500 ريال سعودي إلى 20 ألف ريال يمني، موضحاً أن عملية الاستقطاب تتم عبر «مناديب» تابعين للألوية، يتولون تسليم مبالغ مالية مقابل كل مجند يتم إرساله.

وكشف التحقيق، من خلال تسجيلات سرية التقطت بالقرب من منفذ الوديعة، آليات استقبال المجندين وإحصائهم والاستيلاء على بطاقاتهم، قبل نقلهم إلى الجانب السعودي برفقة قوة عسكرية سعودية ومن دون المرور بالإجراءات المعتادة عبر المنفذ اليمني.

كما أظهرت التسجيلات تفاصيل عمليات الحشد، مع الإشارة إلى تبعية أحد الألوية للأمير فهد بن تركي، وإصدار وثيقة خاصة لكل مقاتل، تستخدم بمثابة جواز مرور يتيح له التنقل عبر الحدود.

وفي 13 سبتمبر/أيلول 2019، أعلن العقيد اليمني بشير الجزمي استقالته من منصبه مسؤولاً عن الحشد في معسكر منفذ الوديعة. وقال في مقابلة مع الجزيرة إن استقالته جاءت عن قناعة، معتبراً أن ما يجري لا يمكن أن يقبله «كل يمني حر».

وكشف الجزمي أن قوام الوحدات العسكرية التي يجري حشدها يقارب 20 ألف مقاتل، لكن نسبة المقاتلين المدربين فعلياً لا تتجاوز 15%، بينما يمثل الباقون مواطنين يفتقرون إلى التدريب العسكري الكافي. وانتقد ما وصفه بالتدريب الشكلي، الذي لا يتضمن إطلاق نار حقيقياً، فيما يحمل المجندون أعواداً خشبية بدلاً من الأسلحة.

كما وثق التحقيق تسجيلات دينية كانت تعرض على المجندين وتحضهم على القتال تحت عناوين دينية، فيما اعتبر اللواء محسن خصروف أن حرص السعودية على عدم تعريض جنودها للخطر دفعها إلى استخدام الشباب اليمنيين بديلاً عن قواتها، في ممارسة وصفها بأنها تتعارض مع الاعتبارات الإنسانية والقانون الدولي.

ووثق الفيلم كذلك مشاهد من مقابر مقاتلين يمنيين، حيث يتم دفن بعض القتلى بصورة جماعية ومن دون بيانات تعريف واضحة، مع صعوبات تحول دون نقل الجثامين إلى اليمن أو تمكين ذوي الضحايا من زيارتها أو معرفة مصير أبنائهم بصورة كاملة.

وروى علي الهجرة، والد أحد الضحايا، أن ظروف الحاجة وارتفاع تكاليف المعيشة كانت من أبرز العوامل التي دفعت نجله إلى التجنيد، بينما تحدث المقاتل العائد حذيفة الحاتمي عن آثار نفسية قاسية خلفتها تجربة القتال، قائلاً إنه كان يستيقظ ليلاً مذعوراً.

بدوره، أوضح العقيد سنان الحميري أن ظاهرة تجنيد الشباب اليمنيين ارتبطت بطلب سعودي مباشر لتوفير مقاتلين يتولون مهمة حماية الحدود الجنوبية للمملكة.

تحليل:

إن ما كشفته الجزيرة في “موت على الحدود” لا يمثل مجرد وثيقة استقصائية عابرة، بل هو شهادة إدانة أخلاقية وسياسية تكشف الوجه القبيح للتحالف السعودي في اليمن.

إنها ليست حرباً بالوكالة فحسب، بل هي عملية اتجار منظم بالبؤس الإنساني، حيث تحولت المجاعة والحصار – وهما أداتان تستخدمهما الرياض كسلاح اقتصادي – إلى أداة تجنيد قسرية.

لقد أتقنت السعودية لعبة تحويل الجوع إلى سوق نخاسة عسكري، فتخلق الأزمة الإنسانية بقرار، ثم تفتح معسكرات التجنيد كمنفذ وحيد للنجاة، مستبدلةً دماء أبنائها بدماء اليمنيين الفقراء.

إن مشهد المقاتلين وهم يتدربون بأعواد خشبية بدلاً من الأسلحة ليس مجرد تفصيلة لوجستية، بل هو تجسيد صارخ لفلسفة الاستغلال: يمني يحمل عصا ليموت على الحدود، بينما يتوارى الجيش السعودي خلف التلال.

هذه ليست شراكة عسكرية، بل هي مقايضة غير متكافئة بين النفط والدم، حيث تُشترى الأرواح اليمنية بأبخس الأثمان من قبل “مناديب” يتقاضون عمولاتهم كتجار المواشي، في مشهد يعيد إنتاج أبشع صور الرق الحديث.

والأكثر إدانة هو أن هذه الآلة الاستغلالية لا تتوقف عند حدود سلب الحياة، بل تمتد إلى سلب الهوية حتى في الموت. المقابر الجماعية بلا شواهد، ومنع ترحيل الجثث، وحرمان الأهالي من زيارة موتاهم، كلها ممارسات تكشف أن الرياض لا تنظر إلى هؤلاء الضحايا كبشر أو حتى كجنود، بل كوقود بشري رخيص يُحرق ثم يُرمى في حفر النسيان.

إن عودة السعودية اليوم لتجنيد الشباب اليمنيين مجدداً، في ظل استمرار الحصار ورفض الاستحقاقات الإنسانية، تؤكد أن النظام السعودي لم يتعظ، بل يتمادى في اعتماد استراتيجيته القذرة.

إنها تبني أمنها الحدودي على جثث اليمنيين، وتحاول شراء ولاءات الفقراء تحت وطأة الجوع. لقد تحولت الحدود الجنوبية إلى مسلخ بشري، حيث تُسفك دماء اليمنيين لتأمين حدود من تسبب في خراب بلادهم.

إن ما يجري هناك هو جريمة حرب مركبة: حصار يقتل المدنيين جوعاً، وقصف يهدم ما تبقى من حجر، وتجنيد إجباري يدفع بالشباب إلى محارق الموت.

إنه استعمار جديد يرتدي عباءة التحالف العسكري، ويهدف إلى تفريغ اليمن من رجاله وشبابه، وتحويلهم إلى أدوات صامتة في معركة ليست معركتهم، بينما يقف المجتمع الدولي متفرجاً على أكبر عملية اتجار بالبشر في التاريخ الحديث.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com