مجلة “فورين بوليسي“: “تحالف مكة“ مجرد استعراض بلا قاعدة عسكرية..!
أبين اليوم – خاص
انتقدت مجلة «فورين بوليسي» ما بات يُعرف بـ«اتفاقية مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، معتبرة أن الأوصاف التي أُطلقت عليها، من قبيل «الناتو الإسلامي» و«الناتو السني»، تتجاوز بكثير حجم ما يمتلكه هذا الترتيب الثلاثي من مقومات فعلية على المستوى العسكري والعملياتي.
وقالت المجلة إن إطلاق مثل هذه التسميات يعكس، إلى حد كبير، محاولة لتضخيم صورة التحالف وإظهاره ككتلة عسكرية ضخمة، في حين أنه لا يزال يفتقر إلى قاعدة عملياتية واضحة أو آليات تنفيذية تجعل منه تحالفاً عسكرياً متماسكاً وقادراً على التعامل مع أزمات الأمن الإقليمي.
وترى «فورين بوليسي» أن المشكلة لا تكمن في غياب التحالفات التي يمكن للسعودية الاستناد إليها، بقدر ما تكمن في أن الرياض تواصل البحث عن حلول أمنية خارجية، من خلال إنشاء ترتيبات وتحالفات جديدة، بدلاً من معالجة الأسباب السياسية المباشرة التي تقف وراء حالة التوتر والصراع في المنطقة.
وفي هذا السياق، تعيد المجلة طرح الحرب على اليمن باعتبارها نموذجاً واضحاً على هذه الإشكالية، مشيرة إلى أن الحصار المفروض على اليمن جاء في أعقاب تحالف عسكري قادته السعودية قبل أكثر من عقد، قبل أن تتفكك أجزاء واسعة من ذلك التحالف، بينما ظل الحصار وتداعيات الحرب قائمين.
وتحذر المجلة من أن الاستمرار في بناء تحالفات عسكرية جديدة، من دون معالجة بؤر الصراع القائمة، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة نفسها بدلاً من توفير منظومة أمن إقليمي مستدامة.
وترى أن تحقيق أمن السعودية واستقرار المنطقة يتطلب، في المقابل، معالجة جذور الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب في اليمن، بما يشمل إنهاء الحصار، ووقف التدخلات الخارجية، ودعم مسار سياسي حقيقي يضمن أمن اليمن وجيرانه ويعالج مصادر التوتر بدلاً من إدارتها عسكرياً.
وتخلص «فورين بوليسي» إلى أن المقاربة الأكثر واقعية بالنسبة للرياض لا تتمثل في الاستمرار في تفريخ تحالفات عسكرية جديدة، وإنما في معالجة بؤر الصراع التي تستنزف المنطقة، باعتبار أن التسويات السياسية ومعالجة أسباب النزاعات يمكن أن توفر ضمانات أمنية أكثر استدامة من تحالفات ضخمة في الشكل، محدودة في القدرة على التنفيذ.
تحليل:
تكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل النقاش حول «تحالف مكة» من سؤال من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تعالج التحالفات الجديدة مصادر التهديد فعلاً، أم أنها تعيد تدوير الأزمة الأمنية في المنطقة؟
فإضافة تركيا وباكستان إلى ترتيبات أمنية تقودها السعودية قد تمنح الرياض ثقلاً سياسياً وعسكرياً إضافياً، لكنها لا تكفي وحدها لإنشاء منظومة دفاع جماعي ما لم تُترجم إلى هياكل قيادة، وقواعد اشتباك، وآليات تنسيق وتمويل وانتشار واضحة.
والأهم أن تجربة التحالفات السابقة في المنطقة تجعل أي مشروع أمني جديد عرضة لاختبار المصداقية. فإذا ظلت بؤر الصراع الأساسية، وفي مقدمتها اليمن، قائمة، فإن توسيع شبكة التحالفات قد يتحول إلى معالجة للأعراض بدلاً من معالجة جذور الأزمة.
ومن هذه الزاوية، فإن الحرب والحصار على اليمن لا يمثلان ملفاً منفصلاً عن الأمن السعودي، بل جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي نفسها. فاستمرار الصراع يعني استمرار مصادر التوتر والتهديد، مهما تعددت التحالفات والترتيبات العسكرية التي تحاول الرياض بناءها حولها.
وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي لـ«تحالف مكة» لن يكون في حجم التغطية الإعلامية أو الأوصاف الكبيرة التي تُطلق عليه، وإنما في قدرته على إنتاج ترتيب أمني قابل للتنفيذ. وإذا عجز عن ذلك، فإن معالجة جذور الصراع، وخصوصاً إنهاء الحرب والحصار على اليمن، قد تكون أكثر فاعلية من إنشاء تحالف جديد يحمل اسماً كبيراً بينما تظل أزمات المنطقة الأساسية دون حل.