“تقرير“| بعد شهر من تشكيله.. لماذا فعّلت السعودية تحالف البحر الأحمر الآن؟ وما علاقة المندب واتهامات «الخيانة» للإمارات..!

7٬984

أبين اليوم – تقارير 

بعد نحو شهر من إعلان تشكيله، أقرت السعودية، الخميس، تفعيل تحالفها البحري الجديد في البحر الأحمر رسمياً، بالتزامن مع تسلّم القيادة الباكستانية مهامها في العاصمة الرياض، في خطوة تطرح تساؤلات واسعة حول دوافع التوقيت وعلاقته بالتطورات المتسارعة عند الطرف الجنوبي من الساحل الغربي لليمن، ولا سيما في منطقة باب المندب.

وكانت السعودية قد أعلنت في يوليو الماضي تشكيل تحالف بحري جديد تحت مسمى «تحالف البحر الأحمر»، ونشرت قائمة تضم 14 كياناً مشاركاً فيه. غير أن التحالف ظل، طوال الأسابيع التالية، أقرب إلى إطار سياسي وأمني منه إلى قوة بحرية فاعلة، رغم تصاعد التوتر في البحر الأحمر وصدور قرارات بمنع الملاحة السعودية، ثم انتقال المواجهة إلى مستويات برية وبحرية أكثر حدة.

واللافت أن الرياض لم تبادر إلى تفعيل التحالف خلال ذروة التصعيد، كما أن تشكيلته المعلنة خلت من قوى غربية رئيسية، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، وهو ما قلل منذ البداية من قدرته على التحول إلى قوة بحرية مؤثرة قادرة على تغيير معادلة الملاحة في البحر الأحمر.

لكن المشهد تغير بصورة مفاجئة مع التطورات الأخيرة في محيط باب المندب، بالتزامن مع اتهامات سعودية مباشرة للإمارات بـ«الخيانة»، على خلفية ما تقول الرياض إنه سحب للفصائل المحسوبة على أبوظبي من مواقعها القريبة من الممر الملاحي وتسليمها لمقاتلين تصفهم بـ«الحوثيين».

وهنا تحديداً تبرز دلالة التوقيت.

فالتفعيل السعودي لا يبدو منفصلاً عن القلق المتزايد في الرياض من احتمال حدوث تحول ميداني عند بوابة البحر الأحمر، خصوصاً إذا كانت المملكة قد خلصت إلى أن نفوذ حلفائها المحليين في الساحل الغربي لم يعد كافياً لضمان بقاء المندب خارج دائرة سيطرة صنعاء أو نفوذها.

وتشير هذه القراءة إلى أن الرياض تتعامل مع التطورات باعتبارها احتمالاً يتجاوز مجرد خسارة مواقع عسكرية متناثرة؛ فالمسألة بالنسبة إليها ترتبط بممر ملاحي استراتيجي يمثل إحدى أهم بوابات التجارة والطاقة إلى البحر الأحمر، ويصبح أكثر حساسية بالنسبة للسعودية في ظل تعرض سفنها خلال الفترة الماضية لتهديدات وقيود حالت دون استئناف الملاحة بصورة طبيعية.

والأكثر أهمية أن التوقيت يأتي في لحظة تتصاعد فيها الأزمة السعودية الإماراتية داخل الساحة اليمنية، بعد سنوات من تقاسم النفوذ بين الطرفين. فإذا كانت أبوظبي قد قررت بالفعل تقليص حضور فصائلها في محيط المندب، كما تتهمها الرياض، فإن السعودية ستجد نفسها أمام معضلة جديدة: كيف تحافظ على أمن الممر الملاحي إذا فقدت الغطاء البري الذي كانت تعتمد عليه في الساحل اليمني؟

من هذه الزاوية، يمكن فهم تفعيل التحالف البحري باعتباره محاولة سعودية لبناء خط دفاع بديل في البحر، بعد اهتزاز الرهان على الوكلاء المحليين في البر. فإسناد قيادة التحالف إلى ضابط باكستاني، وإنشاء مقر له في الرياض، يحملان رسالة بأن المملكة تريد الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى ترتيبات عملياتية، ولو بصورة تدريجية.

غير أن السؤال يبقى: هل يستطيع هذا التحالف فعلاً تغيير المعادلة؟

المعطيات الحالية لا توحي بذلك. فوجود 14 كياناً في قائمة التحالف لا يعني بالضرورة امتلاكه قوة بحرية متماسكة، كما أن غياب القوى الغربية الرئيسية عنه يحد من قدرته على توفير مظلة عسكرية واسعة. وحتى في حال انضمام دول أخرى إليه، فإن المشكلة الأساسية ستبقى مرتبطة بالقدرة على فرض واقع جديد في البحر، لا بمجرد تشكيل هيكل تحالف جديد.

بل إن التحدي السعودي الأهم قد لا يكون في حماية السفن داخل البحر الأحمر بقدر ما هو في تأمين الضفة اليمنية المطلة على باب المندب. فالقوة البحرية تستطيع مرافقة السفن أو اعتراض التهديدات في البحر، لكنها لا تستطيع بسهولة معالجة التحولات العسكرية والسياسية على الساحل المقابل، خصوصاً إذا فقدت الرياض حلفاءها المحليين هناك.

ومن هنا يبدو أن تفعيل التحالف قد يكون، في أحد أبعاده، إجراءً احترازياً لما بعد المندب أكثر منه خطوة لاستعادة المبادرة فيه؛ أي محاولة سعودية للتعامل مع احتمال تغير المعادلة البرية عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، بدلاً من منع التغير من الأساس.

ويزداد هذا الاحتمال أهمية إذا صحت الرواية السعودية بشأن انسحاب الفصائل المحسوبة على الإمارات. إذ إن الرياض قد تكون أمام معادلة شديدة التعقيد: حليف إقليمي تتهمه بالتخلي عنها، وفصائل محلية لا تملك الثقة الكافية بها، وخصم يمني يمتلك قدرة متزايدة على تهديد الملاحة، وممر استراتيجي لا تستطيع تركه بالكامل خارج حساباتها.

وفي المقابل، فإن محاولة الرياض جر دول أخرى إلى التحالف قد تعكس إدراكاً بأن قدراته الحالية غير كافية. كما أن الطابع الدفاعي المعلن للتحالف قد يمهد، عملياً، لاستخدامه مستقبلاً في تأمين ومرافقة السفن السعودية، خصوصاً إذا استمرت القيود على الملاحة السعودية في البحر الأحمر.

لكن المفارقة أن السعودية، رغم كل هذه الترتيبات، لم تتمكن حتى الآن من إعادة سفنها إلى مسار آمن ومستقر عبر البحر الأحمر وباب المندب بعد سلسلة العمليات اليمنية التي طالت الملاحة المرتبطة بها.

تحليل:

تفعيل التحالف في هذا التوقيت يبدو أقرب إلى إعادة تموضع سعودي أمام احتمال خسارة ورقة المندب برياً، وليس مجرد خطوة روتينية مرتبطة بتحالف سبق الإعلان عنه. فالرياض، إذا كانت ترى أن الانسحاب الإماراتي من مواقع الساحل يمثل تحولاً في موازين القوى، تحتاج إلى تعويض الفراغ بسرعة عبر أداة بحرية تستطيع من خلالها حماية مصالحها ولو من مسافة بعيدة.

أما اتهام الإمارات بـ«الخيانة» فيمنح الخطوة بعداً آخر؛ إذ يكشف أن الخلاف لم يعد محصوراً في التنافس على النفوذ داخل اليمن، بل بدأ يلامس المصالح الأمنية المباشرة للسعودية في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة إليها. وفي هذه الحالة، يصبح المندب نقطة اختبار حقيقية للعلاقة بين الرياض وأبوظبي.

ومع ذلك، فإن التحالف البحري لن يحل المعضلة السعودية ما لم تستطع الرياض معالجة أصل المشكلة على الساحل اليمني.

فالممر البحري لا يُؤمَّن بالسفن وحدها، والوجود البحري لا يعوض بالضرورة انهيار شبكة النفوذ البري. ولذلك قد يكون التفعيل الحالي محاولة لتقليل خسائر السعودية في حال تغيرت السيطرة على المندب، أكثر من كونه مشروعاً قادراً على قلب المعادلة العسكرية القائمة.

والسؤال الذي ستكشفه المرحلة المقبلة هو: هل تستخدم السعودية التحالف لحماية ملاحتها فقط، أم يتحول إلى غطاء لتدخل بحري أوسع في اليمن بعد تعثر أدواتها البرية وتصاعد الخلاف مع الإمارات؟

فإذا اتجه المسار نحو الخيار الثاني، فإن تفعيل التحالف لن يكون مجرد إجراء أمني، بل بداية لمرحلة جديدة من الصراع على باب المندب والبحر الأحمر.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com