بعد فشل الحرب العسكرية.. واشنطن تعود إلى العقوبات الاقتصادية لحصار إيران.. وأزمة مالية تضرب الجيش الأمريكي..!

5٬994

أبين اليوم – خاص 

بدأت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد ضد إيران، عنوانها الضغط الاقتصادي والحصار البحري، في تحول اعتبرته صحيفة إندبندنت البريطانية مؤشراً ضمنياً على تعثر الحرب الأمريكية في تحقيق أهدافها الرئيسية.

وقالت الصحيفة، في افتتاحيتها، إن انتقال إدارة الرئيس دونالد ترامب من الخيار العسكري إلى التصعيد الاقتصادي يعكس، حتى من دون اعتراف رسمي، حجم المأزق الذي وصلت إليه واشنطن بعد الحرب، محذرة من أن تداعياتها بدأت تتحول إلى أزمة تتجاوز كلفتها العسكرية المباشرة.

ورأت أن حجم التداعيات بات يثير مقارنات مع أزمات وحروب أمريكية كبرى، بينها حرب فيتنام وهجوم بيرل هاربر، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية على الإدارة، مع احتمال انعكاسها على موقف الناخبين في انتخابات نوفمبر.

ودعت الصحيفة إلى قيام كونغرس أكثر حزماً في التعامل مع الحرب، بما يمهد لإنهائها قبل أن تتضاعف الخسائر والأضرار.

الحرب تستنزف الجيش الأمريكي:

وبالتزامن مع ذلك، كشفت صحيفة الغارديان عن تداعيات مالية متصاعدة للحرب داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.

وقالت الصحيفة، استناداً إلى وثائق حصلت عليها وإفادات مسؤولين في البحرية الأمريكية، إن تكاليف العمليات القتالية دفعت البحرية إلى إعادة توجيه أموال كانت مخصصة للرواتب ومصادر أخرى لتغطية نفقات الحرب.

وأشارت إلى أن الاستحواذ على مخصصات مالية كانت موجهة للرواتب أدى إلى نقص في بعض الحسابات، فيما اضطرت المؤسسة العسكرية إلى تأجيل أعمال صيانة غير طارئة للمنشآت البرية.

وتعكس هذه التطورات جانباً من الكلفة الخفية للحرب، إذ لا تقتصر تداعياتها على الخسائر البشرية والمعدات العسكرية، وإنما تمتد إلى موازنات المؤسسة العسكرية نفسها، بما يفرض إعادة توزيع الموارد على حساب احتياجات أخرى.

إيران: واشنطن تعود إلى «المربع الأول»:

وفي المقابل، يرى الخبير السياسي والأكاديمي الإيراني حسن أحمديان أن التصعيد الاقتصادي الأمريكي الأخير لا يمثل تحولاً نوعياً بقدر ما يمثل عودة إلى الأدوات التي استخدمتها واشنطن ضد طهران منذ عام 2018.

وقال أحمديان إن العقوبات الأولية والثانوية المفروضة على إيران منذ سنوات تجعل معظم الإجراءات الاقتصادية الجديدة امتداداً لمنظومة قائمة بالفعل، معتبراً أن فشل العقوبات في تحقيق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية كان أحد العوامل التي دفعت نحو الخيار العسكري.

وبحسب قراءته، فإن العودة إلى العقوبات بعد الحرب تعني عملياً العودة إلى المربع الأول، أي استئناف سياسة الضغط الاقتصادي بعد تعثر الخيار العسكري في فرض الأهداف التي سعت واشنطن وتل أبيب إلى تحقيقها.

غير أن أحمديان يلفت إلى متغير جديد يتمثل في الحصار البحري، معتبراً أن واشنطن بدأت محاولات فعلية لتطبيقه عبر إنذارات للسفن الإيرانية واستهداف سفينتين، وهو تطور قد يحول العقوبات من أداة اقتصادية إلى مصدر مباشر للاحتكاك العسكري.

الحصار البحري.. الاختبار الأخطر:

ويرى أحمديان أن نجاح الحصار لا يتوقف على القرار الأمريكي بفرضه، وإنما على قدرة واشنطن على تنفيذه عملياً، وهي قدرة يقول إن خبراء عسكريين يشككون فيها، إضافة إلى طبيعة الرد الإيراني.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تصريحات مسؤولين إيرانيين كبار، تشير، وفق أحمديان، إلى وجود توجه داخل القيادة الإيرانية للانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم إذا مضت واشنطن في الحصار ولم تلتزم بالشروط التي تطالب بها طهران.

وبذلك تصبح المعادلة الجديدة أكثر تعقيداً: واشنطن تبحث عن أداة ضغط أقل كلفة من الحرب، بينما قد تنظر طهران إلى الحصار باعتباره استمراراً للحرب بوسائل أخرى.

إيران ما بعد الحرب ليست كما قبلها:

ويحذر أحمديان من خطأ استراتيجي يرى أنه يتكرر لدى صانع القرار الأمريكي وعدد من المحللين، يتمثل في تحليل إيران الحالية بالأدوات والمعطيات التي كانت قائمة قبل الحرب.

فالحرب، وفق هذه القراءة، لم تترك إيران في الحالة التي كانت عليها قبل اندلاعها؛ بل أعادت تشكيل حسابات القيادة الإيرانية، ودفعتها إلى إعادة تقييم أدوات القوة والضغط المتاحة لديها.

ومن هنا، فإن عودة واشنطن إلى الضغط الاقتصادي قد لا تنتج النتيجة التي تتوقعها الإدارة الأمريكية، خصوصاً إذا تعاملت طهران مع الحصار باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها ومصالحها، وليس مجرد جولة جديدة من العقوبات الاقتصادية.

تحليل:

التحول الأمريكي من الحرب إلى الاقتصاد يحمل في حد ذاته دلالة سياسية مهمة؛ فحين تعجز القوة العسكرية عن إنتاج التسوية المطلوبة، تصبح العقوبات والحصار محاولة لاستعادة الضغط من خارج ساحة المعركة المباشرة.

لكن المشكلة أن هذه الأدوات ليست جديدة على إيران، وقد جُرّبت لسنوات طويلة دون أن تدفعها إلى القبول بالشروط الأمريكية.

الأخطر أن الحصار البحري يختلف جذرياً عن العقوبات التقليدية؛ لأنه ينقل الصراع من المجال المالي والاقتصادي إلى خطوط الملاحة والتجارة، ويضع القوات الأمريكية والإيرانية أمام احتمالات احتكاك مباشر.

ولذلك فإن نجاح واشنطن في فرض الحصار قد لا يعني بالضرورة نجاحها في تحقيق أهدافها، بل قد يؤدي إلى توسيع مساحة المواجهة.

وفي المقابل، فإن الضغوط المالية داخل الجيش الأمريكي، إذا استمرت وتوسعت، قد تتحول إلى عامل ضغط داخلي على الإدارة والكونغرس، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. فالحرب التي كان يفترض أن تنتج مكاسب استراتيجية قد تتحول تدريجياً إلى معركة استنزاف مالي وسياسي، في وقت لا تبدو فيه إيران مستعدة للعودة إلى قواعد الاشتباك التي كانت قائمة قبل الحرب.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى صراع إرادات حول من يستطيع تحمل كلفة الاستمرار أطول: واشنطن التي تواجه كلفة عسكرية ومالية وسياسية متزايدة، أم طهران التي تراهن على امتلاك أدوات ضغط مقابلة تجعل تحويل الحرب إلى حصار اقتصادي أمراً عالي المخاطر. وإذا فشل الطرفان في كسر هذه المعادلة، فقد يصبح الانتقال من الحرب إلى العقوبات مجرد انتقال في أدوات المواجهة، لا نهاية لها.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com