ضمن حرب ممنهجة.. أسعار المواد الغذائية تقفز إلى مستويات قياسية في عدن وسط انهيار القدرة الشرائية..!
أبين اليوم – خاص
شهدت أسواق مدينة عدن والمحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة المدعومة من السعودية جنوبي اليمن، خلال الأيام الماضية، موجة ارتفاع حادة وغير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، في ظل تدهور متواصل للأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وأظهرت قائمة أسعار متداولة في الأسواق قفزات قياسية في أسعار السلع الأساسية، حيث بلغ سعر كيلو الدقيق نحو 700 ريال، وكيلو الأرز 1700 ريال، فيما وصل سعر كيلو السكر إلى نحو 1000 ريال.
كما ارتفعت عبوة زيت الطبخ سعة أربعة لترات إلى نحو 9000 ريال، بينما بلغ سعر البيضة الواحدة قرابة 125 ريالاً، بالتزامن مع ارتفاعات شملت عدداً واسعاً من المواد الاستهلاكية الأخرى.
وتأتي هذه القفزات في وقت تعاني فيه معظم الأسر من تراجع حاد في القدرة الشرائية، بفعل استمرار أزمة المرتبات وتدهور قيمة العملة المحلية، ما جعل تأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية عبئاً متزايداً على المواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود والموظفين الذين لم تعد دخولهم تتناسب مع تكاليف المعيشة.
وتتفاقم الأزمة المعيشية مع استمرار أزمات الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها أزمة الغاز المنزلي، إلى جانب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، التي تصل في بعض المناطق إلى أكثر من 8 ساعات مقابل ساعتين فقط من التشغيل، وسط تصاعد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وإنهاء ما يصفه المحتجون بالوصاية السعودية على القرار المحلي.
ويرتبط الانهيار الاقتصادي، وفق تقديرات وتقارير متداولة، بسنوات من السياسات النقدية والمالية التي اتبعتها الحكومة الموالية للرياض، ومن بينها ضخ كميات كبيرة من العملة المحلية دون غطاء نقدي كافٍ.
وتشير البيانات المتداولة إلى طباعة نحو 5 تريليونات و300 مليار ريال خلال الفترة بين 2016 و2021، الأمر الذي أسهم في زيادة المعروض النقدي وتسارع تدهور سعر الصرف، وانعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات وقدرة المواطنين على تأمين احتياجاتهم.
تحليل:
لا تعكس موجة الغلاء الحالية مجرد ارتفاع عابر في أسعار بعض السلع، بل تكشف عن أزمة اقتصادية متراكمة تحولت إلى أزمة في القدرة على البقاء.
فحين يصل سعر البيضة إلى 125 ريالاً، وسعر عبوة الزيت إلى 9000 ريال، بينما تتراجع قيمة الدخول أو تتأخر المرتبات، تصبح المشكلة الأساسية ليست ارتفاع الأسعار بحد ذاته، وإنما اتساع الفجوة بين دخل المواطن وتكلفة الاحتياجات الضرورية.
وتعمل عدة عوامل في الوقت نفسه على تغذية هذا الانهيار؛ فتدهور سعر الصرف يرفع تكلفة السلع المستوردة، بينما يؤدي ضعف النشاط الاقتصادي وانقطاع المرتبات وتراجع الإنتاج المحلي إلى تقليص مصادر الدخل.
وفي المقابل، فإن استمرار الأزمات في الكهرباء والغاز والمياه والنقل يضيف تكاليف غير مباشرة على الأسر، بحيث يدفع المواطن ثمن الأزمة مرة عبر ارتفاع أسعار الغذاء، ومرة أخرى عبر انهيار الخدمات الأساسية.
أما السياسة النقدية خلال سنوات الحرب، بما فيها إصدار كميات كبيرة من العملة، فقد عمّقت الاختلالات الاقتصادية وأضعفت القوة الشرائية للريال في مناطق سيطرة الحكومة المدعومة من السعودية.
ومع غياب إصلاح مالي ونقدي فعّال، تحولت طباعة النقد من أداة لتمويل العجز إلى عامل إضافي في دوامة التضخم وتراجع قيمة العملة، وهو ما يجعل أي زيادة جديدة في الأسعار أكثر قسوة على المواطنين.
والنتيجة أن عدن والمناطق الخاضعة لسيطرة السعودية تواجه أزمة معيشية مركبة: عملة متدهورة، أسعار متصاعدة، مرتبات متعثرة، كهرباء منهارة، وغاز منزلي شحيح.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح التصعيد الشعبي احتجاجاً على منظومة اقتصادية وخدمية كاملة، وليس مجرد اعتراض على سعر سلعة أو انقطاع خدمة، خصوصاً مع تزايد الشعور بأن القرارات الاقتصادية والسياسية تُدار بعيداً عن احتياجات السكان وقدرتهم على تحمل المزيد من الانهيار.