“تقرير“| ما وراء مهاجمة السعودية لـ”الشرعية”.. هل بدأت ترتيبات إسقاط الرئاسي أم صفقة مع صنعاء وأبوظبي..!
أبين اليوم – خاص
لأول مرة منذ احتضان قياداتها عام 2015، تصعّد السعودية هجومها العلني على القوى اليمنية الموالية لها، في تحول لافت تجاه كيان سياسي وعسكري ظلّ طوال أكثر من عقد يقاتل اليمن تحت شعار استعادة الدولة، فيما ارتبطت مساراته السياسية والعسكرية بقرار الرياض وحساباتها الإقليمية.
لكن ما الذي يدفع المملكة إلى فتح النار على حلفائها في هذا التوقيت؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد غضب من إخفاقاتهم، أم أن الهجوم يعكس توجهاً لإعادة ترتيب المشهد اليمني والتخلص من أدوات فقدت جدواها؟
في صدر صفحات صحيفة “عكاظ”، نشرت الصحيفة السعودية مقالاً هاجم القيادات المحسوبة على ما يُعرف بـ“الشرعية”، موجهاً إليها اتهامات تتعلق بالاستفادة من استمرار الحرب، وتحويل الدعم السعودي إلى مصدر للامتيازات الشخصية، وتمويل الإقامة والحياة المرفهة لبعض المسؤولين وأسرهم في الخارج، بالتوازي مع استنزاف المملكة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. وجاء الهجوم بلهجة حادة تعكس، على الأقل، تصاعد الاستياء داخل الخطاب الإعلامي السعودي من أداء القوى اليمنية التي تتولى الرياض دعمها.
وتكتسب هذه اللهجة أهميتها من توقيت نشر المقال والجهة التي أصدرته، فضلاً عن طبيعة الاتهامات التي تضمنها. فبدلاً من الاكتفاء بانتقاد الإخفاقات العسكرية والسياسية، انتقل الخطاب إلى التشكيك في جدوى النخب التي اعتمدت عليها المملكة طوال سنوات الحرب، وطرحها باعتبارها عبئاً على داعمها.
ومع ذلك، فإن هذا التصعيد الإعلامي، مهما بلغت حدته، لا يكفي وحده لإثبات صدور قرار سعودي نهائي بالتخلي عن تلك القوى، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن مستقبل العلاقة بين الطرفين.
المفارقة أن الاتهامات المتعلقة بالفساد والارتهان واستثمار الحرب في تحقيق المكاسب الشخصية ليست جديدة في السجال اليمني، غير أن صدورها عبر منبر إعلامي سعودي بارز يمنحها دلالة سياسية مختلفة.
فحين تنتقل الانتقادات من خصوم هذه القيادات إلى البيئة الإعلامية المحسوبة على الدولة الداعمة لها، يصبح السؤال متعلقاً بما إذا كانت الرياض تمهّد لتحميل حلفائها مسؤولية إخفاقات المرحلة الماضية، أو تسعى إلى فرض شروط جديدة عليهم، أو إعادة تشكيل البنية السياسية التي اعتمدت عليها منذ تدخلها في اليمن.
وتبرز هنا ثلاثة مسارات محتملة لتفسير التصعيد السعودي: الأول، محاولة التنصل من مسؤولية الإخفاقات الميدانية والسياسية عبر تحميل القوى اليمنية الموالية لها جانباً من كلفة التعثر؛ والثاني، استخدام الضغط الإعلامي لتقليص استقلالية تلك القوى وإجبارها على القبول بترتيبات جديدة؛
والثالث، أن يكون الهجوم جزءاً من مراجعة أوسع للسياسة السعودية في اليمن، بما يشمل إعادة النظر في طبيعة الدعم المقدم لحلفائها، أو تغيير أولويات المملكة بين مسار التسوية مع صنعاء وترتيبات النفوذ في الجنوب.
وتأتي هذه الاحتمالات في ظل تقارير ومواقف متداولة بشأن تحريك المفاوضات مع صنعاء، بالتزامن مع محاولات سعودية لإعادة ضبط علاقتها بالإمارات في الملف اليمني. غير أن الانتقال من الضغط على الحلفاء إلى التخلي عنهم يظل احتمالاً يحتاج إلى مؤشرات عملية، مثل وقف التمويل، أو تغيير بنية القيادة، أو إعلان ترتيبات سياسية وأمنية بديلة.
وفي السياق نفسه، أعادت تصريحات المستشار الإماراتي عبد الخالق عبد الله بشأن مستقبل اليمن تسليط الضوء على تصورات تقوم على فصل المسارين الشمالي والجنوبي، مع منح الجنوب مساراً سياسياً مستقلاً وترك الشمال تحت سلطة صنعاء.
وإذا اقترنت هذه التصورات بتفاهمات سعودية إماراتية فعلية، فقد تفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ بين الطرفين، على حساب القوى اليمنية التي بنت شرعيتها السياسية على استمرار الدعم السعودي.
لكن لا بد من التمييز بين التصريحات الفردية التي تعكس رؤى سياسية، وبين الاتفاقات الرسمية الملزمة. فالمواقف المنسوبة إلى مستشار إماراتي لا تثبت بمفردها تبني أبوظبي والرياض خطة مشتركة لتقسيم اليمن أو وقف دعم مجلس القيادة الرئاسي، كما أن اللقاءات السعودية الإماراتية لا تكفي وحدها للاستنتاج بأن الطرفين توصلا إلى تسوية نهائية بشأن مستقبل البلاد.
وعليه يمكن القول:
ما يجري يتجاوز عتاب الحليف لحليفه؛ فحين تفتح الرياض نيران إعلامها على القوى التي احتضنتها وسلّحتها ومكّنتها منذ عام 2015، فإنها تضع شرعيتها السياسية أمام محاكمة قاسية، وتبدأ عملياً بتفكيك الغطاء الذي حماها طوال سنوات الحرب.
الأخطر أن السعودية التي سوّقت تدخلها تحت لافتة استعادة الدولة، تبدو اليوم وكأنها تعيد تقييم الكيان الذي صنعته، بعدما تحوّل، وفق الانتقادات المتصاعدة، من أداة لتحقيق أهدافها إلى عبء يستنزف مواردها ويقيد خياراتها.
وهنا يصبح السؤال: هل تمهّد الرياض لتغيير تركيبة مجلس القيادة الرئاسي وإنتاج واجهة أكثر طواعية، أم تهيئ الرأي العام لتسوية تتجاوز حلفاءها وتتركهم خارج حسابات المرحلة المقبلة؟ إن الهجوم الإعلامي لا يثبت وحده اتخاذ قرار بالتصفية السياسية، لكنه قد يكون مقدمة لانتزاع أوراق القوة من أيدي قيادات فقدت قيمتها في ميزان المصالح السعودية.
أما السيناريو الأكثر حساسية، فيكمن في احتمال تقاطع التفاهم مع صنعاء مع إعادة توزيع النفوذ في الجنوب بين الرياض وأبوظبي؛ صفقة تُراجع فيها السعودية كلفة الحرب، وتعيد الإمارات ترتيب مكاسبها، بينما تجد القوى اليمنية الموالية للطرفين نفسها أمام واقع لم تشارك في صياغته.
وإذا مضت هذه المسارات إلى تفاهمات فعلية، فإن «الشرعية» التي رُفعت رايتها لتبرير الحرب قد تصبح أول ضحايا التسوية التي تُبرم باسم إنهائها.
تلك هي المفارقة القاسية: أن من رهنوا قرارهم للخارج قد يكتشفون أن ولاءهم لم يكن ضمانة لبقائهم، بل شرطاً مؤقتاً انتهت صلاحيته بتغير الحسابات. فالدول لا تتبنى الحلفاء إلى الأبد؛ إنها تحتفظ بهم ما داموا يحققون مصالحها، وتتخلى عنهم حين تصبح كلفة إبقائهم أعلى من ثمن استبدالهم.