“صنعاء“| ندوة حول دور المنظومة القضائية والحقوقية في تعزيز بيئة الأعمال التجارية والصناعية..!
أبين اليوم – خاص
دعاء القادري – صنعاء
نظمت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بالشراكة مع الغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة، صباح اليوم، في فندق سبأ بصنعاء، الندوة الوطنية حول دور المنظومة القضائية والحقوقية في تعزيز بيئة الأعمال التجارية والصناعية، بمشاركة قيادات من السلطة القضائية وممثلي الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إلى جانب باحثين وأكاديميين ورجال أعمال.
وهدفت الندوة إلى بحث سبل تعزيز سيادة القانون، وتطوير الضمانات القضائية والحقوقية للنشاط الاقتصادي، ومعالجة المعوقات الإجرائية والتشريعية التي تواجه المستثمرين والمنشآت التجارية والصناعية، بما يسهم في حماية رؤوس الأموال، وتحفيز الاستثمار، وضمان استمرارية الإنتاج في ظل تداعيات الحرب الاقتصادية والحصار.
وأكد نائب وزير العدل وحقوق الإنسان، القاضي إبراهيم الشامي، أن الوزارة تولي المحاكم القضائية والتجارية اهتماماً خاصاً، من خلال العمل على تسريع الإجراءات والحد من إطالة أمد التقاضي، إلى جانب دعم مراكز التحكيم والوساطة التجارية بالتعاون مع الغرفة التجارية.
وأوضح أن الندوة تأتي ترجمةً لتوجيهات القيادة وبرنامج الحكومة الرامي إلى تعزيز التكامل بين منظومة القضاء ومجتمع المال والأعمال، مشيداً بالدور الوطني للقطاع الخاص ورجال الأعمال في مواجهة الحرب الاقتصادية والحصار.
وشدد الشامي على أن توفير الأمان القضائي والحقوقي يمثل الضمانة الأساسية لاستقرار رؤوس الأموال وتنمية البيئة الاستثمارية، مؤكداً أهمية نشر الثقافة الحقوقية وتعزيز الوعي بالقوانين المنظمة للعمل وحقوق الإنسان في البيئة التجارية.
وأشار إلى ضرورة المواءمة بين صون الحقوق ومتطلبات التنمية، بما يفضي إلى بناء بيئة أعمال يمنية رائدة، تقوم على العدالة في علاقات الإنتاج، وتحفظ حقوق العمال والمستهلكين والمستثمرين على حد سواء.
وأكد أن الوزارة ستعمل على تحويل مخرجات الندوة وتوصياتها إلى خطوات عملية تخدم الاقتصاد الوطني، مثمناً جهود الغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان واللجان المنظمة.
من جانبه، اعتبر رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، علي تيسير، أن سيادة القانون والأمان القضائي يمثلان مؤشراً حقيقياً لمستقبل أي اقتصاد، مؤكداً أن تحقيق استثمار ناجح ومستدام يظل مرهوناً بوجود قضاء ناجز وحماية حقوقية متكاملة لرؤوس الأموال والمنشآت الاقتصادية.
وأوضح أن حماية الصانع والتاجر الشريف تندرج في صلب الحق في التنمية والعمل، باعتباره حقاً أصيلاً تكفله الشريعة الإسلامية والدستور والقوانين الوطنية.
ونوه تيسير بدور القطاع الخاص اليمني وثباته في مواصلة فتح المصانع واستمرار الإنتاج رغم سنوات الحصار والحرب الاقتصادية، مشيراً إلى أن هذا الصمود يحظى بتقدير القيادة الثورية والسياسية.
بدوره، أكد نائب رئيس الغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة، محمد صلاح، أن العدالة وسيادة القانون تشكلان الركيزة الأساسية لحماية النشاط الاقتصادي وتحفيز الاستثمار، لافتاً إلى أن حماية القطاع الخاص والمنشآت الاقتصادية تمثل ضرورة وطنية واجتماعية تمس حياة المواطنين وتصون الدورة الاقتصادية.
وشدد صلاح على أن القضاء العادل والسريع يمثل الضمانة الأولى لتعزيز الثقة وتشجيع رؤوس الأموال، داعياً إلى الخروج بتوصيات إجرائية قابلة للتنفيذ، تتقدمها آليات تفعيل الوساطة والتحكيم التجاري.
كما دعا إلى تشكيل لجنة مشتركة تضم السلطة القضائية والغرفة التجارية والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، تتولى رصد المعوقات الإجرائية والعمل على معالجتها، مؤكداً استعداد الغرفة للتعاون مع مؤسسات الدولة بما يضمن استمرار دوران عجلة الإنتاج.
هذا وناقشت الندوة، بمشاركة قيادات من السلطة القضائية وممثلين عن رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ووزارات الاقتصاد والصناعة والمالية، إلى جانب ممثلي القطاع الخاص والباحثين والأكاديميين ورجال الأعمال، خمس أوراق عمل تناولت الجوانب القضائية والحقوقية والتشريعية لبيئة الأعمال.
وتناولت الورقة الأولى، التي قدمها رئيس محكمتي الجمارك والضرائب الابتدائيتين، القاضي معين العزيزي، موضوع “سيادة القانون وأثرها على الأعمال التجارية والصناعية والاستثمار.. مقاربة قضائية وحقوقية”.
فيما ناقشت الورقة الثانية، التي قدمها خبير حقوق الإنسان مناف الصلاح، “حقوق الإنسان في سياق الأعمال التجارية.. مسؤولية التجار والمستثمرين واحترام الحقوق”.
واستعرضت الدكتورة رنا الجعوني، من إدارة البرامج والمشاريع بالغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة، في الورقة الثالثة، واقع بيئة الأعمال ودور القضاء وحقوق الإنسان، مع التركيز على إشكالية التكامل بين هذه المنظومات.
أما الورقة الرابعة، التي قدمها مدير المركز اليمني الدولي للتحكيم والتوفيق التجاري بالغرفة التجارية، نائب عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء، الدكتور محمد المحبشي، فقد ركزت على القضاء التجاري وتسوية النزاعات والبدائل المتاحة في ضوء حقوق الإنسان.
وتناولت الورقة الخامسة، التي قدمها قاضي المحكمة التجارية الابتدائية عبدالمجيد عقبات، سيادة القانون وأثرها على الأعمال التجارية والصناعية والاستثمار من منظور قضائي وحقوقي.
وخرجت الندوة بجملة من التوصيات الرامية إلى تحسين بيئة الأعمال، ومعالجة الاختلالات الإدارية والقضائية التي تؤثر في النشاط التجاري والصناعي، وفي مقدمتها تبسيط الإجراءات الحكومية، والحد من تداخل الاختصاصات وتكرار الرسوم والمتطلبات، وتطوير الخدمات الإلكترونية، وتعزيز الربط بين قواعد البيانات الحكومية والتجارية.
ودعت التوصيات إلى تطوير مشروع الرخصة التجارية الموحدة، ودراسة الربط الإلكتروني بين التراخيص البلدية وبيانات العضوية في الغرفة التجارية، ومراجعة التشريعات ذات الصلة بما يعزز دور الغرفة في تنظيم النشاط التجاري وخدمة أعضائها، وفقاً للقوانين النافذة.
كما شددت على ضرورة تسريع الفصل في المنازعات التجارية والاستثمارية وتنفيذ الأحكام القضائية، ودعم المركز اليمني الدولي للتحكيم والتوفيق التجاري بالغرفة، وتعزيز حماية الملكية والحقوق التعاقدية، ومكافحة الاحتيال والغش التجاري.
وتطرقت التوصيات إلى معالجة المعوقات التي تواجه القطاع الخاص في مجالات التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج والخدمات اللوجستية، مع التأكيد على أهمية تعزيز الشفافية في القرارات الاقتصادية والإدارية، وترسيخ احترام حقوق الإنسان في بيئة الأعمال، ودعم الإنتاج المحلي.
وأكدت الندوة أهمية تشكيل آلية تنسيقية مشتركة تضم الجهات الحكومية والقضائية والحقوقية والغرفة التجارية وممثلي القطاع الخاص، تتولى متابعة تنفيذ التوصيات، وإعداد خطة تنفيذية تحدد الجهات المسؤولة والجداول الزمنية ومؤشرات الإنجاز، بما يضمن الانتقال من التوصيات النظرية إلى نتائج ملموسة.
الخلاصة.. تكشف الندوة عن إدراك متزايد بأن حماية الاقتصاد اليمني لا تقتصر على مواجهة الضغوط الخارجية والحصار، بل تتطلب أيضاً معالجة الاختناقات الداخلية التي ترفع كلفة النشاط التجاري وتضعف ثقة المستثمرين، وفي مقدمتها بطء التقاضي، وتعقيد الإجراءات، وتداخل الاختصاصات، وتعدد الرسوم والمتطلبات.
فسيادة القانون ليست شعاراً مؤسسياً، بل شرط اقتصادي مباشر؛ إذ لا يمكن مطالبة رأس المال بالمخاطرة والإنتاج والتوسع ما لم تتوافر له ضمانات قضائية تحمي ممتلكاته، وتصون عقوده، وتتيح له استرداد حقوقه ضمن آجال معقولة.
غير أن الاختبار الحقيقي لهذه الندوة لا يكمن في عدد أوراق العمل أو حجم التوصيات، بل في قدرة المؤسسات المعنية على تحويلها إلى قرارات نافذة، وجداول زمنية محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس والمساءلة.
فالفجوة بين التشخيص والتنفيذ هي التي تحدد ما إذا كانت هذه المبادرة ستصبح مدخلاً لإصلاح بيئة الأعمال، أم ستنضم إلى سلسلة الفعاليات التي ترصد الاختلالات من دون أن تنهيها. والرهان الاستراتيجي هو بناء منظومة عدالة اقتصادية تجعل القانون مرجعاً للعلاقة بين الدولة والتاجر والعامل والمستهلك، وتحول صمود القطاع الخاص من مجرد تحمل لأعباء الحرب إلى قدرة فعلية على الإنتاج والاستثمار وتعزيز الاكتفاء الاقتصادي.