حضرموت في مرمى الحرب الناعمة.. حفلات مختلطة تثير الغضب وتفتح معركة الهوية والقيم المجتمعية..!

5٬885

أبين اليوم – خاص 

أثارت مقاطع مصورة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي موجة من الاستياء والجدل في أوساط من أبناء محافظة حضرموت، شرقي اليمن، بعد ظهور مشاهد لرقص نساء في مناسبات أعراس أمام الرجال بمدينة المكلا وعدد من المديريات الساحلية، في مشهد اعتبره منتقدون خروجاً عن الأعراف الاجتماعية والتقاليد المحافظة التي ارتبطت بها هوية المجتمع الحضرمي عبر أجيال متعاقبة.

وعبّر ناشطون وأهالٍ عن رفضهم لما وصفوه باتساع هذه الممارسات، مطالبين بالحفاظ على الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمحافظة، وصون القيم الدينية والتقاليد التي تشكل جزءاً من نسيجها المجتمعي.

وذهب بعضهم إلى تفسير هذه التطورات ضمن سياق أوسع أطلقوا عليه وصف “الحرب الناعمة”، معتبرين أن التحولات الاجتماعية والثقافية قد تُستغل لإضعاف الروابط المجتمعية وإحداث تغييرات في منظومة القيم السائدة.

وفي سياق متصل، وجّه ناشطون اتهامات إلى مسؤولين في ما يُعرف بوزارة الثقافة والسياحة التابعة للحكومة الموالية للسعودية، متهمين إياهم بالتساهل مع هذه الظواهر أو تشجيعها.

وطالبوا الجهات المعنية بتوضيح موقفها من الجدل الدائر، داعين أبناء حضرموت بمختلف مكوناتهم الاجتماعية إلى التمسك بما يرونه من ثوابت دينية وأعراف أصيلة، والعمل على معالجة الخلافات المجتمعية بما يحفظ تماسك المحافظة وهويتها الثقافية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه حضرموت تنافساً سياسياً متصاعداً على النفوذ والقرار المحلي، وسط تجاذبات إقليمية ومحلية تتداخل فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية مع قضايا الهوية والانتماء.

وفي مثل هذه البيئات، تكتسب المسائل الثقافية والاجتماعية حساسية إضافية، إذ تتحول أحياناً إلى ساحة للتعبير عن رفض أوسع للسياسات القائمة أو للاصطفافات التي يُنظر إليها باعتبارها مفروضة من الخارج.

ومع ذلك، فإن الربط بين مشاهد الأعراس المتداولة ومخطط منظم يستهدف الهوية الحضرمية يظل تفسيراً يطرحه بعض الناشطين، ولا يمكن اعتباره حقيقة مثبتة من دون أدلة مستقلة تكشف طبيعة الجهات المتورطة وأهدافها. كما أن الاتهامات الموجهة إلى مسؤولين حكوميين تحتاج إلى ما يؤيدها، بعيداً عن الاكتفاء بالتداول على منصات التواصل الاجتماعي.

تحليل:

لا تكمن أهمية الجدل الدائر في حضرموت في مشاهد الأعراس وحدها، بل في سرعة انتقال الخلاف من سلوك اجتماعي إلى مواجهة حول الهوية والمرجعية الثقافية، في محافظة تتشابك فيها حساسيات المجتمع مع صراع النفوذ السياسي.

فحين تتراجع الثقة بالمؤسسات، تصبح التحولات الاجتماعية مادة لتغذية المخاوف من الإقصاء الثقافي والتدخل الخارجي، وقد تتحول المواقف الرافضة لبعض الممارسات إلى تعبير عن اعتراضات أوسع على الجهات التي يُعتقد أنها تدير المشهد المحلي.

لكن تحويل كل اختلاف اجتماعي إلى مؤامرة منظمة من دون أدلة قد يفاقم الانقسام بدلاً من حماية النسيج المجتمعي؛ فصون الهوية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بحماية الخصوصية الثقافية، واحترام قناعات المجتمع، والتحقق من الوقائع قبل توجيه الاتهامات.

وفي البعد السياسي، تظل حضرموت ساحة تتجاوز أهميتها حدود العادات والتقاليد، نظراً إلى موقعها الجغرافي وثرواتها ومكانتها في معادلة النفوذ شرقي اليمن.

ومن هنا، فإن توظيف القضايا الثقافية في الصراع السياسي قد يمنح أطرافاً مختلفة فرصة لحشد الشارع وتوجيه الغضب نحو خصومها، فيما تبقى الأسئلة الأساسية المتعلقة بالقرار المحلي والثروة والتمثيل السياسي قائمة.

فالمعركة على هوية حضرموت لا تُحسم بتبادل الاتهامات، بل بقدرة أبنائها على حماية خصوصيتهم الاجتماعية، وصون حقهم في التعبير عن قناعاتهم، ومنع تحويل قيم المجتمع إلى وقود لصراعات الوصاية والنفوذ.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com