الانتقالي: صراع النفوذ يفجّر التحالف السعودي الإماراتي في اليمن.. شبوة وسقطرى والجنوب وقود معركة تقاسم الغنائم..!
أبين اليوم – خاص
لم تعد الخلافات بين السعودية والإمارات في جنوب اليمن مجرد تباينات عابرة يمكن احتواؤها خلف البيانات الدبلوماسية، بل باتت تعكس صراعاً متصاعداً على النفوذ والثروة وحق إدارة القوى المحلية، في مشهد يكشف أن التحالف الذي جمع الرياض وأبوظبي تحت عنوان الحرب على اليمن لم ينجح في توحيد أجنداتهما، وأن المصالح التي جمعتهما في البداية باتت نفسها من أبرز مصادر التنافس بينهما.
وفي تطور جديد، كشف المجلس الانتقالي الجنوبي، الموالي للإمارات، الأحد، جانباً من كواليس الخلافات التي تعرقل التوافق بين الحليفتين، بالتزامن مع تصاعد التحركات السياسية والعسكرية في المحافظات الجنوبية والشرقية.
ونقلت مصادر رفيعة في قيادة المجلس بمدينة عدن أن جملة من نقاط الخلاف لا تزال قائمة بين الرياض وأبوظبي، بما يعكس اتساع الفجوة بين الطرفين بشأن تقاسم النفوذ وإدارة الملفات الحساسة في جنوب اليمن.
وتتصدر شبوة وسقطرى واجهة هذا الصراع، وفقاً للمصادر، في ظل تمسك الإمارات بتوسيع نفوذها والسيطرة على مفاصل القرار فيهما، مقابل مساعٍ سعودية لمنع انفراد أبوظبي بهاتين المنطقتين.
ولا يتعلق الأمر بمجرد خلاف إداري حول مناطق جغرافية، بل يرتبط بأهمية شبوة النفطية وموقعها الاستراتيجي، إلى جانب القيمة الجيوسياسية لسقطرى وموقعها في المحيط الهندي وبالقرب من خطوط الملاحة البحرية.
وتكشف هذه المعادلة أن التنافس بين الحليفتين يتجاوز حدود توزيع الأدوار العسكرية إلى صراع على العوائد الاستراتيجية للوجود في اليمن. فبينما تسعى كل منهما إلى ضمان موطئ قدم طويل الأمد، تبرز مسألة تقاسم الأعباء والتكاليف في مقابل المكاسب المحتملة بوصفها إحدى العقد التي تعرقل التفاهمات بينهما.
ولا تتوقف الخلافات عند الجغرافيا والثروة، بل تمتد إلى هوية الطرف الذي سيتولى إدارة الملف الجنوبي سياسياً وعسكرياً. فبحسب المصادر، تضغط الإمارات لتمكين رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، في حين تتمسك السعودية بنفوذ عضو المجلس الرئاسي أبي زرعة المحرمي، في تنافس يعكس اختلاف الرؤيتين بشأن بنية السلطة المحلية والقوى التي ينبغي أن تتصدر المشهد في المرحلة المقبلة.
وتحمل هذه المفاضلة دلالات تتجاوز الأسماء، إذ تتعلق بمن يمتلك القدرة على تشكيل مراكز القوة، والتحكم في مسارات القرار، وتحديد مستقبل التشكيلات المسلحة الموالية للطرفين. فالصراع على قيادة الجنوب هو، في جوهره، صراع على الجهة التي ستملك مفاتيح التأثير في أي تسوية سياسية مقبلة، وعلى حصة كل طرف من النفوذ الذي أُنشئ خلال سنوات الحرب.
وفي السياق ذاته، أفادت المصادر بأنه كان من المفترض أن تبدأ الإمارات تقديم دعم عسكري ومالي للفصائل الجنوبية، إلى جانب إعادة ترتيب صفوفها تحت قيادة موحدة يشرف عليها ضباط إماراتيون. غير أن أبوظبي، وفقاً للرواية ذاتها، لم تتخذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، بينما يواصل المجلس الانتقالي تحركاته السياسية في مواجهة السعودية.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن تأخر الدعم لا يمكن فصله عن طبيعة الخلافات القائمة بين الطرفين، ولا عن حسابات كل منهما بشأن توقيت التحرك وحدوده. فقد يكون تعطيل إعادة تنظيم الفصائل مؤشراً على استمرار التباين حول القيادة والأولويات، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود قرار إماراتي متعمد بالتخلي عن حلفائها أو دفعهم إلى مواجهة مفتوحة مع الرياض.
وجاءت هذه التطورات عشية نفي مستشار رئيس الإمارات، عبد الخالق عبد الله، تقديم أبوظبي تمويلاً للفصائل الموالية لها في جنوب اليمن، في تصريح أعقب تقريراً بريطانياً تحدث عن تقارب جديد. ويضيف هذا النفي بعداً آخر إلى المشهد، إذ تتقاطع الرسائل الإعلامية مع التحركات الميدانية في وقت تتزايد فيه الأسئلة بشأن طبيعة الالتزامات الإماراتية تجاه حلفائها المحليين.
وفي المقابل، لا تزال الاتهامات والتراشقات الإعلامية حاضرة في علاقة الطرفين، وسط اتهامات للإمارات بالوقوف وراء التطورات التي أفضت إلى إسقاط عدن، بالتزامن مع احتشاد أنصار المجلس الانتقالي في عدد من عواصم المحافظات المهمة. وتبقى هذه الاتهامات بحاجة إلى أدلة مستقلة تثبت تفاصيلها، لكنها تكشف، في الحد الأدنى، حجم التوتر الذي بات يطبع العلاقة بين القوى المتنافسة داخل المعسكر المناهض لصنعاء.
تحليل:
ما يتكشف في جنوب اليمن هو أن التحالف السعودي الإماراتي لم يعد يواجه تحدياً يتمثل في إدارة الحرب فحسب، بل بات يواجه تناقضاً داخلياً بين مشروعين يتنافسان على الأرض ذاتها، والثروة نفسها، والقوى المحلية نفسها.
فالسعودية تريد الاحتفاظ بموقع المقرر في ترتيبات الجنوب، بينما تسعى الإمارات إلى حماية نفوذها عبر المجلس الانتقالي والتشكيلات المرتبطة بها. وبين المشروعين، تتحول شبوة وسقطرى إلى ساحتي اختبار لمعادلة تقاسم النفوذ، ويغدو التنافس على الزبيدي والمحرمي عنواناً لصراع أعمق على من يملك القرار ومن يحدد شكل السلطة المقبلة. إنه تحالف تتقاطع فيه الأهداف العسكرية، لكن المصالح الاستراتيجية تمنع اندماجها في مشروع واحد.
أما الأخطر، فهو أن القوى الجنوبية قد تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراع إقليمي لا تتحدد أولوياته بالضرورة وفق مصالح السكان أو تطلعاتهم، بل وفق حسابات العاصمتين المتنافستين.
فإذا استمر تعطيل الدعم وإعادة ترتيب الفصائل، أو تصاعد التنافس على مراكز القيادة، فقد تتحول أزمة الثقة إلى تصدعات ميدانية وسياسية تعيد رسم موازين القوة داخل الجنوب نفسه.
وهنا تتجلى المفارقة: كلما تنافست الرياض وأبوظبي على امتلاك أوراق النفوذ، ازدادت احتمالات تفكك الأدوات المحلية التي تعتمدان عليها. فحين يصبح الحليف ساحةً لتصفية الحسابات، لا يعود السؤال من يحكم الجنوب فحسب، بل من يدفع ثمن الصراع على حكمه، ومن يحصد ثماره في النهاية.