“مقالات“| مملكة آل سعود في مستنقع اليمن.. تحالفات بمليارات الدولارات وهزائم تتراكم حتى ساعة التفاوض..!

5٬994

أبين اليوم – خاص 

بقلم الشيخ/ عبدالله جعيول:*

ستظل الأيام والمواقف هي المحك الحقيقي في مواجهة العدوان الغاشم على اليمن وأهله، وستبقى نتائج الميدان أصدق من ضجيج التحالفات، وأبلغ من وعود الحلفاء، وأقوى من كل محاولات شراء الولاءات وتدوير الفشل.

فمهما طال أمد الباطل، ومهما حُشدت له الأموال والإمكانات، فإن الحق لا يفقد مشروعيته بطول المواجهة، ولا يتحول العدوان إلى نصر مهما تعددت أدواته وتغيرت واجهاته.

في سبيل الباطل والبغي في الأرض بغير الحق، بذلت المملكة العربية السعودية أموالاً طائلة ونفقات هائلة لاستقطاب الحلفاء، وحشد القوى التي تعتقد أنها قادرة على انتشالها من المستنقع اليمني الذي انزلقت إليه منذ بدء عدوانها.

واستنجدت بعواصم إقليمية، من بينها القاهرة وأنقرة وإسلام آباد، وذهبت إلى إنشاء التحالفات وإعادة تشكيل الاصطفافات، في محاولات متكررة للخروج من ورطة لم تعد تعالجها كثرة الشركاء، ولا تبددها ضخامة الإنفاق، ولا تنهيها البيانات السياسية واللقاءات الدبلوماسية.

ويأتي ما يُعرف بـ”حلف مكة” في سياق هذه المساعي الرامية إلى توسيع دائرة الاصطفاف الإقليمي، وإعادة ترتيب أوراق الرياض في مواجهة صنعاء، والبحث عن مظلة سياسية وأمنية تساعدها على تخفيف أعباء الحرب وتداعياتها.

غير أن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل تستطيع التحالفات الجديدة تغيير الحقائق التي أفرزتها سنوات المواجهة، أم أنها مجرد محاولة أخرى لتأجيل الاعتراف بمأزق استراتيجي يتعمق كلما ارتفعت كلفة الحرب؟

ففي كل مرة تراهن فيها الرياض على تحالف جديد أو قوة إضافية أو تفاهم إقليمي، تجد نفسها أمام اختبار مختلف، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية، وتتصادم فيه طموحات الحلفاء مع حدود قدرتهم على تحقيق الأهداف السعودية.

وهكذا تتحول التحالفات، بدلاً من أن تكون جسوراً للخروج من الأزمة، إلى شبكات متشابكة من الالتزامات والتكاليف، تتطلب مزيداً من الأموال والتنازلات، من دون ضمانات حقيقية بتحقيق النتائج المرجوة.

إن المشكلة لا تكمن في نقص الأموال أو تعدد الأدوات، بل في طبيعة الرهان ذاته؛ فالحروب لا تُحسم بمجرد شراء المواقف، ولا تُكسب بتجميع الأطراف المتناقضة حول مصالح مؤقتة. وحين يصبح المال بديلاً عن التوافق، والارتهان بديلاً عن القناعة، فإن التحالفات تبدو متماسكة في المؤتمرات، لكنها سرعان ما تكشف هشاشتها عند أول اختبار ميداني أو سياسي جاد.

وفي المقابل، تواجه ميليشياتها ومرتزقتها التي تراهن عليها الرياض تحديات تتجاوز حسابات الانتشار العسكري، لتصل إلى أزمة الثقة وتضارب المصالح وتآكل الحوافز التي أبقت بعض أطرافها ضمن دائرة الولاء.

فالمراهنة على استمرار تماسك هذه الأدوات إلى أجل غير محدود تتجاهل حقيقة أن الولاءات المبنية على المصالح قابلة للتبدل، وأن الضغوط المتراكمة قد تدفع بعض الأطراف إلى مراجعة حساباتها، خصوصاً عندما تتسع الفجوة بين الوعود المقدمة لها والنتائج التي تتحقق على الأرض.

وفي الجنوب اليمني تحديداً، تظل مسألة القرار المستقل وتضارب الأجندات الإقليمية عاملاً مؤثراً في مستقبل الاصطفافات. فالأطراف الجنوبية ليست كتلة واحدة متجانسة، ولا يمكن افتراض استمرار توافقها على خيارات تُصاغ خارج إرادتها أو تتعارض مع حساباتها المحلية.

ومع تصاعد الضغوط وتراكم الخلافات، قد تجد هذه الأطراف نفسها أمام استحقاق إعادة ترتيب مواقفها وتوحيد رؤيتها، واتخاذ قرارات تتناسب مع مصالحها الفعلية، بعيداً عن رهانات الوكلاء وحسابات القوى الخارجية.

وتزداد حساسية هذه المعادلة حين يشعر الفاعلون المحليون بأنهم يتحملون كلفة المواجهة، بينما تُدار القرارات الكبرى وفق أولويات لا تتطابق بالضرورة مع تطلعاتهم.

فالعلاقة التي تقوم على توظيف القوى المحلية لتحقيق أهداف إقليمية لا يمكن ضمان استقرارها إلى ما لا نهاية؛ إذ إن المصالح قد تجمع الحلفاء مؤقتاً، لكنها لا تمنع افتراقهم عندما تتغير الحسابات أو تتراجع المكاسب أو تتكشف حدود الالتزامات المتبادلة.

ومع استمرار التعقيدات الميدانية والسياسية، يظل الانتقال إلى التهدئة ثم المفاوضات أحد المسارات المحتملة أمام الرياض لتقليص كلفة المواجهة والبحث عن مخرج سياسي. لكن الوصول إلى هذه المرحلة لن يتوقف على رغبة طرف واحد، بل سيتحدد وفق موازين القوى، وشروط الأطراف المعنية، ومدى استعدادها للتعامل مع جذور الصراع بدلاً من الاكتفاء بتجميد مظاهره أو إعادة إنتاجه بأدوات مختلفة.

* رئيس مجلس أحرار أبين

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com