السعودية تضغط على مصر بورقة الاقتصاد.. هبوط تاريخي للبورصة بالتزامن مع تصويت البرلمان على دعم حرب اليمن وتراجع موقف شيخ الأزهر..!
أبين اليوم – وكالات
بدأت السعودية، الاثنين، تحركات ضاغطة على مصر بالتزامن مع ترقب تصويت البرلمان على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ خطوات لدعم المملكة في حربها على اليمن، وسط تصاعد الخلافات بشأن احتمال إرسال قوات مصرية إلى السعودية أو إشراك الجيش المصري في المواجهة.
وتزامنت هذه التطورات مع هبوط حاد في البورصة المصرية، إلى جانب تحول لافت في خطاب شيخ الأزهر أحمد الطيب بشأن الحرب ومساعي الوساطة بين الدول العربية والإسلامية.
وسجلت البورصة المصرية تراجعاً حاداً خلال تعاملات الاثنين، بلغ نحو 10% وفق الأرقام المتداولة، في هبوط وُصف بأنه من الأكبر في تاريخها. وربطت أوساط مصرية هذا التراجع بتأثير النفوذ المالي السعودي داخل السوق المصرية، معتبرة أن تزامنه مع الاستحقاق البرلماني المتعلق بالحرب على اليمن يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن توظيف الأوراق الاقتصادية في الضغط على القاهرة.
وتتجه الأنظار إلى جلسة البرلمان المرتقبة بشأن تفويض السيسي لدعم السعودية، في ظل اعتراضات أبدتها أصوات برلمانية خلال الأيام الماضية على إرسال قوات مصرية إلى المملكة أو الانخراط المباشر في الحرب على اليمن.
وتراهن الرياض، وفق هذه القراءة، على دفع القاهرة إلى اتخاذ موقف أكثر انخراطاً في المواجهة، بينما تواجه القيادة المصرية حسابات عسكرية واقتصادية وسياسية معقدة، تتصل بتداعيات الحرب ومخاطر توسيع نطاقها.
وتبرز الودائع والاستثمارات السعودية في مصر ضمن أبرز أوراق التأثير الاقتصادي المتداولة في هذا السياق، ولا سيما الوديعة السعودية لدى البنك المركزي المصري التي تُقدّر بنحو 10 مليارات دولار، وسط حديث عن عدم تجديد جزء منها.
ويرى مراقبون أن مستقبل الدعم المالي الخليجي قد يتحول إلى عامل ضغط في حسابات القاهرة، في وقت تسعى فيه الحكومة المصرية إلى احتواء الضغوط الاقتصادية وتجنب التزامات عسكرية قد تجر البلاد إلى مواجهة مفتوحة.
وفي موازاة المسار الاقتصادي والسياسي، برز تحول في خطاب شيخ الأزهر أحمد الطيب، الذي سبق أن طرح مبادرة لتشكيل لجنة من علماء المسلمين للمساعدة في احتواء الخلافات بين الدول العربية والإسلامية وحقن الدماء.
وجاءت تصريحاته الأخيرة، بحسب القراءة المتداولة، أكثر تقارباً مع الرواية السعودية بشأن مزاعم استهداف مكة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مستقبل الدور الوسطي للأزهر وقدرته على مواصلة مبادرته بعيداً عن استقطابات الحرب.
ويمثل هذا التحول تطوراً حساساً في العلاقة بين المؤسسة الدينية المصرية وملف الحرب على اليمن، خصوصاً أن مبادرة الطيب كانت تتيح للأزهر الظهور بوصفه طرفاً يسعى إلى التهدئة، لا امتداداً لمواقف أي من أطراف الصراع.
ومن شأن انتقال الخطاب إلى تبني رواية أحد الأطراف أن يضعف فرص الوساطة، ويعمّق فجوة الثقة بين المؤسسات الدينية والسياسية في المنطقة.
تحليل:
تكشف هذه التطورات عن جوهر المأزق المصري: السعودية لا تريد مجرد موقف سياسي من القاهرة، بل تريد تحويل ثقل مصر العسكري إلى رافعة لحربها على اليمن، مستفيدة من شبكة المصالح المالية التي تربط البلدين. وفي هذه المعادلة، يصبح الاقتصاد ساحة ضغط موازية للميدان العسكري، وتتحول الودائع والاستثمارات إلى أوراق نفوذ في معركة انتزاع القرار.
وإذا كانت الرياض تراهن على هشاشة الوضع الاقتصادي المصري لدفع السيسي نحو الانخراط في الحرب، فإنها تخاطر في المقابل بتقويض الثقة بين الحليفين، وتحويل الشراكة من علاقة مصالح متبادلة إلى علاقة إكراه يدفع الطرف الأضعف فيها ثمن خيارات الطرف الأقوى.
لكن تزامن انهيار البورصة مع التصويت البرلماني، مهما كانت دلالته السياسية، لا يثبت وحده وجود قرار سعودي مباشر بتحريك السوق؛ فالخطر الأعمق يكمن في أن يتحول الاعتماد المالي إلى قيد على السيادة، وأن تصبح كلفة رفض الحرب أعلى، في حسابات القاهرة، من كلفة المشاركة فيها.
أما دخول الأزهر إلى دائرة الاستقطاب، فينقل المعركة من ابتزاز القرار السياسي إلى محاولة تطويق المجال الديني والأخلاقي الذي يمكن أن يوفر غطاءً للوساطة وحقن الدماء.
فحين يتراجع خطاب جمع الصف الإسلامي أمام رواية طرف في الحرب، تصبح الرمزية الدينية جزءاً من أدوات التعبئة، بدلاً من أن تكون جسراً لإطفاء الصراع. وهنا تكمن المفارقة الأخطر: أن تُستدعى قدسية مكة لتضييق هامش الاعتراض على حرب في اليمن، وأن يُدفع الاقتصاد المصري نحو حافة القلق بالتزامن مع مطالبة القاهرة بتقديم غطاء عسكري وسياسي لها.
إنها معركة على القرار المصري، وعلى من يمتلك حق تعريف الحرب وتحديد أطرافها وتسويغها؛ فإما أن تحتفظ القاهرة بمسافة سيادية تسمح لها برفض التورط، وإما أن تجد نفسها أمام معادلة تُشترى فيها المواقف بكلفة الاقتصاد، ويُستنزف فيها رصيد المؤسسات الدينية، بينما تظل كلفة الحرب الحقيقية معلقة برقاب اليمنيين.