عطوان: لماذا “أرعب” الصاروخ اليمني الانشطاري القادة العسكريين الإسرائيليين وما هي أبرز اسراره؟ وكيف قضت الوزيرة الألمانية ليلتها في الملاجئ.. وماذا يعني ذلك سياسياً وعسكرياً؟ وما هي النقاط ألخمس التي ترسم خطوط سيناريو عسكري قد يغير معادلات المنطقة..!

6٬882

أبين اليوم – مقالات وتحليلات 

تحليل/ عبدالباري عطوان:

الرد العسكري اليمني على تصعيد حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة والذي يعتبر الوحيد عربياً من أبرز “مميزاته” انه يأتي سريعاً وموجهاً لعمق دولة الاحتلال الإسرائيلي وبناها التحتية، ودون أي ضجة إعلامية مما يعكس التواضع، ويجسد نظرية الرد بالأفعال وليس الأقوال.

يوم الأربعاء الماضي أعلن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي ان الدفاعات الإسرائيلية اعترضت صاروخاً يمنياً في ساعة مبكرة من الصباح مما أدى الى انطلاق صفارات الإنذار في منطقة القدس، واغلاق مطار اللد (بن غوريون) أمام الملاحة الجوية العالمية، حيث بات الاغلاق هو القاعدة، والتشغيل هو الاستثناء المحدود جدا.

الجديد، والأمر اللافت الذي يعكس معاني عديدة، أمنية واستراتيجية ومعنوية، ان هذا الصاروخ الباليستي لم يؤد الى زيادة القلق، وانما الى إجبار قوات الطوارئ الإسرائيلية التي كانت تعيش ذروة ارتباكها، على نقل السيدة ريم العبلي رادوفان وزيرة التنمية الألمانية الزائرة من جناحها في الفندق الذي تقيم فيه الى ملجأ مجاور في القدس الشرقية لحمايتها والحفاظ على حياتها، مما يعني ان هذا الكيان لم يعد آمنا لا لمستوطنيه ولا لزواره الكبار.

المعضلة الكبرى التي تواجه القيادات الثلاث السياسية والعسكرية والاستخبارية الإسرائيلية تتمثل في النقاط الخمس التالية:

أولا: استمرار قصف المؤسسة العسكرية اليمنية للعمق الإسرائيلي بالصواريخ الباليستية بصفة شبه يومية.

ثانيا: تطور نوعية هذه الصواريخ وقدراتها وحجم الدمار والاخطار البشرية والاقتصادية والنفسية المترتبة عليها، وانتقالها من الصواريخ الباليستية الاولية، الى الباليستية الفرط صوتية، وأخيرا الى الباليستية الفرط صوتية والمزودة برؤوس تفجيرية انشطارية.

ثالثا: فشل جميع المنظومات الدفاعية الجوية الصاروخية في اعتراض معظم هذه الصواريخ، والحيلولة دون وصولها الى أهدافها.

رابعا: فشل الغارات الإسرائيلية بالطائرات الأمريكية الحربية المتطورة مثل “اف 16″ و”اف 15″ و”اف 35” الشبح في تحقيق هدفها الأساسي وهو وقف هذه الغارات اليمنية الصاروخية، وإرهاب قيادة البلاد السياسية والعسكرية، والأهم من ذلك انها باتت أكثر صلابة وعزما على استمرار إطلاق الصواريخ تضامنا مع الأهل في قطاع غزة.

خامسا: فشل استخباري إسرائيلي كبير في اختراق الجبهة اليمنية، وتجنيد عملاء يسهل تنفيذ تهديداتهم في اغتيال القيادات اليمنية السياسية والعسكرية، مما يعكس صلابة هذه الجبهة والوعي الوطني لدى الحاضنة اليمنية.

كبار القادة والجنرالات العسكريين الإسرائيليين يعيشون في الوقت الراهن حالة من الصدمة غير المسبوقة منذ قيام الكيان المحتل قبل 77 عاما، تتمثل في تناسل مفاجآت القوات الجوية اليمنية واستخدامها أنواعا جديدة من الصواريخ المجهزة برأس تفجيري انشطاري لا تملكه الا الدول العظمى.

هذا الصاروخ المجهز برأس تفجيري إنشطاري الذي جرى اطلاقه قبل أربعة أيام على مدينة يافا المحتلة، وأحدث تدميراً كبيراً غير مسبوق واصابات بشرية بعضها قاتل، يتميز بكونه صناعة محلية يمنية، وان كانت التكنولوجيا المستخدمة في تصنعيه جاءت من جهة خارجية، ومن المرجح انها ايران، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعترف بهذه الحقيقية، أي التصنيع محلياً، وهو اعتراف يجب ان يفتخر به اليمنيون، بل والعرب والمسلمون جميعاً.

الخبراء الإسرائيليون يؤكدون في المقابلات التلفزيونية التي شاركوا فيها ان هذه الصواريخ الفرط صوتية والانشطارية الرأس تعمل بتقنية عسكرية متقدمة جداً، تتيح لرأسها التشظي، واطلاق عدة صواريخ صغيرة قبل ملامسته الأرض، مما يؤدي الى إصابة هذه الصواريخ والقذائف الصغيرة قبل وبعد الملامسة بالأرض دائرة أهداف واسعة جدا، وتحويل هذه الدائرة الى حقل من الألغام الموقوتة شديدة الانفجار، مما يجعل مهمة اعتراضها، ومواجهة الاضرار المترتبة عليها صعبة جدا، وشديدة التعقيد، خاصة اذا جرى تركيب هذه الرؤوس على صواريخ فرط صوت ذات سرعة عالية، ومسار متغير، والأخطر من ذلك انها وبسبب صواريخها الانشطارية تستنزف منظومات الصواريخ الدفاعية والاعتراضية، التي تنطلق لإسقاطها.

دولة الاحتلال لا تكشف عن خسائرها المادية والبشرية في محاولة يائسة لإخفائها وتقليص آثارها المعنوية المدمرة على الرأي العام الإسرائيلي المنهار أساساً، وتجسدت هذه الحقيقة في أخطر صورها اثناء حرب الأيام الـ12 التي ترتبت على العدوان الإسرائيلي الأمريكي على ايران، وجاء الرد الإيراني مزلزلا، وعندما اعترف مسؤول امريكي كبير بحجم الدمار الذي لحق بتل ابيب من جراء الصواريخ الايرانية وفشل الصواريخ الامريكية في تدمير المنشآت النووية، وجرى فصله من عمله كرئيس للاستخبارات العسكرية فورا لقوله نصف الحقيقة.

ما يرفع معنويات أهلنا في قطاع غزة الذين يواجهون الاستشهاد جوعاً او بالصواريخ الاسرائيلية في إطار حرب الإبادة هذا الصمود اليمني العسكري الذي يتحلى بالدقة والردع والاستمرارية تضامناً معهم ووقوفاً في خندقهم، في وقت تخلت عنهم دول عربية وإسلامية كبرى تواطأت مع العدوان، وادارت وجهها الى الناحية الأخرى حتى لا ترى مجازره وضحاياها من الاطفال خاصة.

العبارة التي لفتت نظرنا بين سطور اعترافات الجنرالات الإسرائيليين في تعليقاتهم على تطور وفاعلية هذه الصواريخ اليمنية الدقيقة وصعوبة التصدي لها ومواجهة أخطارها، قولهم انه لا يملك مثل هذه الصواريخ الا الدول العظمى، وهذا يعني ان هذا اليمن أصبح احداها عملياً وبالأعمال والأفعال، وليس بالأقوال فقط.. انه اليمن العظيم.

المصدر: رأي اليوم

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com