“تقرير“| “إيست مونتانا”.. مسلخ بشري يكشف زيف شعارات واشنطن حول حقوق الإنسان..!

7٬890

أبين اليوم – تقارير 

بينما تنصّب الولايات المتحدة الأمريكية نفسها حكماً أخلاقياً على دول العالم، وتُصدر التقارير السنوية لتصنيف الشعوب والحكومات بناءً على معايير “حقوق الإنسان”، تكشف الحقائق القادمة من الداخل الأمريكي عن وجه آخر مغاير تماماً، وجهٌ تجسده معتقلات المهاجرين التي تحولت إلى بؤر للانتهاكات الممنهجة والتعذيب، مما يضع واشنطن في صدارة قائمة المنتهكين للحقوق الأساسية للبشر.

آخر فصول هذه الازدواجية تجسد في دعوى قضائية كبرى رفعتها منظمات حقوقية بارزة، على رأسها “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” و”هيومن رايتس ووتش”، ضد ما وُصف بـ أكبر مركز لاحتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة، والمسمى “كامب إيست مونتانا” في مدينة إل باسو بولاية تكساس.

معسكر المليار دولار.. مسلخ بشري:

أُقيم هذا المخيم المترامي الأطراف في قاعدة “فورت بليس” العسكرية في إطار إستراتيجية الترحيل الجماعي التي ينتهجها الرئيس دونالد ترامب، وبتكلفة فلكية تجاوزت 1.2 مليار دولار، ورغم أن وزارة الأمن الداخلي الأمريكية حاولت تجميل الصورة بادعائها أن المخيم “يفي بالمعايير الاتحادية”، إلا أن الواقع داخل هذه “المنشأة الصحراوية” يعكس همجية لا تليق بدولة تدعي التحضر حيث لقي ثلاثة أشخاص حتفهم داخل المعتقل خلال 9 أشهر فقط من افتتاحه، فيما يُحتجز أكثر من 2700 بشر في ظروف بيئية قاسية وسجون تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية، وتحول المخيم إلى بؤرة لانتشار أمراض خطيرة مثل الحصبة والسل نتيجة الإهمال الصحي المتعمد وفق تقرير نشره موقع الجزيرة نت ومصدره وكالة رويترز.

اعتداءات جسدية وتزييف للحقائق:

تكشف تفاصيل الدعوى القضائية، المدعومة بتحقيق أجراه الكونغرس الأمريكي نفسه، عن سادية ممنهجة يمارسها الحراس ضد المحتجزين، فقد رصد التفتيش 49 انتهاكاً صارخاً، منها 11 انتهاكاً يتعلق بـ“استخدام القوة المفرطة ووسائل التقييد”، و5 انتهاكات تخص “الرعاية الطبية المروعة.

شهادات من جحيم “إيست مونتانا”:

وفق تقرير الجزيرة فقد أكد إريك إيفان رودريجيز (مهاجر فنزويلي) تعرضه لعنف جسدي مفرط من قبل المسؤولين لإجباره قسراً على توقيع أوراق ترحيله.. فيما أكد جيرالد أكاري أنجي (من الكاميرون) تعرضه للضرب المبرح على يد الحراس دون أي مبرر.

ولم تتوقف الانتهاكات عند حد التعذيب، بل امتدت إلى محاولات التستر وتزييف التقارير الطبية. ففي حالة المهاجر الكوبي “جيرالدو لوناس كامبوس”، حاولت سلطات الهجرة الأمريكية في البداية ادعاء وفاته بـ”مشكلة صحية”، ثم غيرت روايتها إلى “محاولة انتحار”، لكن تقرير الأطباء الشرعيين في إل باسو صدم الرأي العام بحكمه أن الوفاة هي “جريمة قتل” ناتجة عن “الاختناق بسبب الضغط على الرقبة والجذع” أثناء صراعه مع الحراس.

الاستخدام العشوائي للحبس الانفرادي:

إلى جانب التعذيب الجسدي، تمارس إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) تعذيباً نفسياً ممنهجاً عبر الاستخدام العشوائي والمفرط للحبس الانفرادي، وهو ما تصنفه المواثيق الدولية كنوع من أنواع التعذيب الذي يدمر الإدراك البشري.

أمريكا.. المنتهك الأول خلف قناع الواعظ:

تأتي هذه الدعوى القضائية، وهي الأولى من نوعها ضد هذه المنشأة العسكرية، لتؤكد لغة الأرقام والشهادات الحية: الولايات المتحدة ليست حامية لحقوق الإنسان، بل هي المنتهك الأول لها عندما يتعارض الأمر مع أجنداتها السياسية.

وكما قال كايل فيرجين، محامي المشروع الوطني للسجون بالاتحاد الأمريكي للحريات المدنية: “نرفع هذه الدعوى لضمان ألا يضطر أي إنسان آخر إلى تحمل هذه المعاملة اللاإنسانية”. وهي عبارة تلخص واقعاً مريراً؛ ففي الوقت الذي تصدّر فيه واشنطن شعارات الحرية للعالم، ينتهي المطاف بالبشر في زنازينها خنقاً تحت أقدام الحراس، أو فريسة للأمراض في صحراء تكساس.

وعليه يمكن القول:

حين تتحول المنظومة القضائية والحقوقية في أمريكا ذاتها إلى سلاحٍ يشهر في وجه الدولة، لا كأداة دعائية ضد الخصوم، فعندها فقط يُكشف المستور الحقيقي: أن الإمبراطورية التي نصّبت نفسها حاكماً أخلاقياً على العالم، هي ذاتها أكبر ورشة تعذيب ممنهج على وجه الأرض.

ما يحدث في “كامب إيست مونتانا” ليس فضيحة عرضية، وليس تجاوزاً فردياً من حارس سادي، بل هو الترجمة العملية لعقيدة الدولة العميقة التي تتعامل مع المهاجر، ليس كلاجئ أو باحث عن حياة، بل كتهديد وجودي يُستباح جسده، وتُسحق كرامته، ويُختنق أنفاسه حتى الموت تحت ركبة النظام.

حين يموت ثلاثة بشر في تسعة أشهر داخل معتقل كلف أكثر من مليار دولار، فالمليارات هنا لم تُنفق لحماية الأرواح، بل صُبّت في بناء مسلخ بشري عالي التقنية، يُدار بمنطق الإبادة البطيئة.

التعذيب الجسدي، الحبس الانفرادي المُدمّر للنفس، تزييف أسباب الوفاة، تفشي السل والحصبة كأمراض عصور وسطى في قلب أمريكا.. كلها ليست إخفاقات إدارية، بل سياسة متعمدة هدفها تحطيم الإرادة البشرية قبل ترحيل الجسد.

التحقيق الكونغرسي لم يأتِ من فراغ، بل هو اعتراف نادر من الداخل بأن آلة القمع الأمريكية لا تقل همجية عن أسوأ الأنظمة التي تتشدق واشنطن بفضحها كل عام في تقاريرها الحقوقية. لكن الفارق المركزي هنا هو أن أمريكا تمارس كل هذا ليس كممارسات شاذة، بل كمؤسسة كاملة: وزارة أمن داخلي، هيئة هجرة وجمارك، ميزانيات فلكية، تشريعات طوارئ، وغطاء إعلامي يُجمّل “مراكز الاحتجاز” وكأنها فنادق تأهيلية.

إن دعوى “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” و”هيومن رايتس ووتش” ليست مجرد ورقة قانونية، بل شهادة وفاة أخلاقية لواشنطن كمرجعية حقوقية.

ففي اللحظة التي يخنق فيها حارس أمريكي مهاجراً كوبياً حتى الموت، ثم يُعاد كتابة الرواية الرسمية مرتين لتلميع الجريمة، تكون أمريكا قد جردت نفسها بنفسها من أي حق في الحديث عن كرامة الإنسان في أي بقعة من العالم.

الخلاصة التي تقف عارية أمام العالم اليوم: واشنطن لم تعد تملك ترف ممارسة الوصاية الأخلاقية على أحد. قناع الحَكَم سقط في صحراء تكساس، والقتلة ليسوا أوغاداً خارج القانون، بل موظفون يتقاضون رواتبهم من ضرائب دافعي الضرائب.

إنها ليست ازدواجية معايير فحسب، بل نظام عالمي كامل يموت مقتله الأخير: الكيل بمكيالين صار هو القانون، والضحية في الداخل مهاجر أعزل، وفي الخارج شعوب بأكملها تُصنف “غير بشر” تحت بند الأمن القومي.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com