ترتيبات سعودية ـ باكستانية لإنشاء أكبر قاعدة عسكرية على بحر العرب.. هل تتحول سواحل اليمن الشرقية إلى مركز عسكري إقليمي..!

7٬007

أبين اليوم – خاص 

كشفت باكستان، السبت، عن ترتيبات عسكرية مشتركة مع السعودية لإنشاء ما وُصف بأنها أكبر قاعدة عسكرية على بحر العرب، في خطوة تعكس تحولات استراتيجية متسارعة في المشهد الإقليمي المرتبط بالحرب في اليمن والتوترات مع إيران.

وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني، الفريق أول أحمد شريف شودري، إن القاعدة المرتقبة ستكون مشتركة بين إسلام آباد والرياض، دون أن يحدد موقعها بدقة، غير أن طبيعة التفاهمات العسكرية الحالية ترجح إقامتها على السواحل الشرقية لليمن الواقعة تحت النفوذ السعودي المباشر.

وتسيطر السعودية منذ سنوات على أجزاء واسعة من سواحل المهرة وحضرموت المطلة على بحر العرب، حيث عززت وجودها العسكري والبحري منذ انطلاق الحرب على اليمن في مارس 2015، ضمن مساعٍ لتأمين خطوط الملاحة والطاقة وإنشاء ممرات استراتيجية بعيدة عن مضيق هرمز.

وجاء الإعلان الباكستاني بالتزامن مع تقارير تحدثت عن بدء انتشار وحدات عسكرية باكستانية في مناطق خاضعة للنفوذ السعودي شرقي اليمن، عقب استدعاء الرياض أعداداً كبيرة من القوات الباكستانية خلال الأسابيع الماضية.

وكانت السعودية قد وقعت مؤخراً اتفاق دفاع استراتيجي مشترك مع باكستان، في وقت تلعب فيه إسلام آباد دوراً متزايداً في الوساطات الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب الإسرائيلية على إيران والتوترات المتصاعدة في الخليج.

ويرى مراقبون أن التحركات السعودية الجديدة تعكس اتجاهاً لتحويل السواحل الشرقية لليمن إلى منصة عسكرية إقليمية متقدمة، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة البحرية في بحر العرب وخليج عدن.

الأبعاد الاستراتيجية لهذا التطور:

تبرز هذه التطورات ليس كمناورة عسكرية عابرة، بل كإعادة تشكيل جيوسياسية عميقة لموازين القوى في شمال المحيط الهندي، تتجاوز فكرة “قاعدة عسكرية” لترسم ملامح تحالف أمني وجودي. يمكن تفكيك أبعادها كالتالي:

1. تجسيد لعقيدة “العمق الاستراتيجي المعكوس“:

إذا كانت باكستان قد سعت تاريخياً لعمق استراتيجي في أفغانستان، فإن ما يحدث الآن هو العكس تماماً؛ فالسعودية، المنكفئة إقليمياً بسبب تعثر حرب اليمن وضغوط السياسة الأمريكية المتقلبة، تتجه لاستيراد عمق استراتيجي باكستاني إلى خاصرتها الجنوبية.

هذا التحالف ليس مجرد شراكة، بل هو تثبيت لوجود عسكري نووي إسلامي على خاصرة إيران والبحر العربي، مما يخلق رادعاً مزدوجاً (سعودي – باكستاني) في مواجهة الطموحات الإقليمية المتنافسة.

2. نقل الصراع من الوكالة إلى “الردع بالمشاركة المباشرة“:

القاعدة المشتركة في السواحل الشرقية لليمن، إذا ما تأكدت، تعني أن باكستان تنتقل من دور “الوسيط الحذر” إلى “الشريك في تأمين الممرات الحيوية”. هذا ينهي غموض الموقف الباكستاني السابق، ويضع قوتها العسكرية كجزء من معادلة احتواء إيران على الأرض، وليس فقط في دبلوماسية القاعات المغلقة. إنها رسالة بأن أي تهديد لبحر العرب والممرات الملاحية السعودية سيُقابل برد فعل من تحالف يمتلك قدرات تقليدية ونووية، مما يغير من حسابات الاشتباك في الخليج.

3. إعادة تعريف الأمن الإقليمي خارج الإطار الخليجي التقليدي:

بإنشاء هذه القاعدة، تعيد الرياض هيكلة مفهومها الأمني من الاعتماد على المظلة الأمريكية المترددة إلى بناء محور سني عسكري متكامل مع القوة العسكرية الأكثر خبرة في مواجهة الحروب غير المتماثلة. لم تعد باكستان مجرد “مزود للقوات”، بل أصبحت ضامناً استراتيجياً، حيث يربط البلدين الآن مسرح عمليات واحد يُراد له أن يكون بمثابة “ناتو مصغر” يخص منطقة شاسعة من الخليج إلى بحر العرب، تحت ذريعة محاربة الإرهاب والقرصنة، لكنه في العمق يرسم خطوط تماس جديدة مع المشروع الإيراني.

الخلاصة:

نحن أمام ميلاد “محور باكستاني-سعودي” جغرافي على الماء، ليس موجهاً لحرب آنية، بل هو بنية ردع طويلة الأمد تُجمد الوضع في اليمن تحت سيطرة سعودية غير قابلة للاختراق، وتحاصر إيران بحرياً، وتخلق توازناً إقليمياً لا تحتكر فيه واشنطن وحدها مفاتيح الأمن. إنها اللحظة التي تُسقط فيها إسلام أباد ترددها الدبلوماسي لترتدي عباءة الدرك العسكري للمصالح السعودية، مما ينذر بإعادة تقسيم وظيفي لدور القوى الإسلامية الكبرى في صراعات الشرق الأوسط.

إعادة تشكيل معادلة الحرب من خلال النفط:

1. القاعدة كشرطي تأمين لـ”ممر الطاقة البديل“:

منصات التصدير النفطي في المكلا والشحر (حضرموت) والنشيمة (شبوة) كانت هدفاً متكرراً للهجمات. إنشاء قاعدة سعودية-باكستانية مشتركة في هذا الشريط الساحلي تحديداً يخدم هدفاً مباشراً: توفير مظلة دفاعية جوية وبحرية متقدمة لتأمين موانئ التصدير من أي تهديد صاروخي أو بحري. بدون هذه القاعدة، تظل أي عملية تصدير واسعة النطاق رهينة لأي تصعيد عسكري. باكستان هنا تلعب دور “الضامن” الذي يجعل شركات النفط والتأمين العالمية تقبل بالعمل في المنطقة.

2. كسر معادلة “النفط مقابل فك الحصار”:

منذ الهدنة الأممية 2022، تستخدم قوى صنعاء ورقة حظر التصدير من مناطق سيطرة الشرعية كورقة ضغط أساسية (تم منع تصدير النفط فعلياً عبر هجمات على الموانئ). الخطوة السعودية-الباكستانية هذه تهدف إلى فصل الملفين بشكل استباقي: حماية الصادرات النفطية بقوة عسكرية لا يمكن لصنعاء تحديها بسهولة (باكستان قوة نووية وذات جيش نظامي ضخم)، مما يسحب من يد صنعاء أهم أوراق المساومة لإنهاء حصارها جواً وبراً وبحراً.

النتيجة: يمكن للرياض أن تضخ النفط دون أن تُضطر لتقديم تنازلات سياسية أو إنسانية كبيرة.

3. إنهاء الحصار؟ ليس بالضرورة، بل إعادة تعريفه:

هنا تكمن المفارقة المؤلمة. هذه القاعدة قد تؤخر إنهاء حصار صنعاء بدلاً من التعجيل به. لماذا؟

· القاعدة تخلق مساراً اقتصادياً موازياً يعزز من قوة الكيانات المناهضة لصنعاء مالياً، مما يسمح لها بالصمود في وجه أي تسوية لا تلبي شروطها، وبالتالي قد يتجمد الوضع الإنساني لصنعاء في إطار “العقاب الاقتصادي” طويل المدى بدلاً من الحصار العسكري المباشر.

4. البعد الباكستاني: حارس الممر الاقتصادي أم شريك في التقاسم؟:

وجود باكستان ليس عسكرياً فقط. بلد يعاني من أزمة طاقة خانقة يرى في هذه القاعدة موطئ قدم في ملف الطاقة اليمني مستقبلاً. قد يكون هناك تفاهم غير معلن: تأمين باكستاني للصادرات مقابل حصة تفضيلية في النفط اليمني أو عقود إعادة الإعمار.

هذا يُحوّل القاعدة من مجرد ثكنة عسكرية إلى منصة لتقاسم الموارد والثروات في مرحلة ما بعد الحرب، مما يعقد أي مسار للسلام العادل لأنه يُدخل لاعباً إقليمياً جديداً له مصالح اقتصادية مباشرة في استمرار الوضع الراهن تحت سيطرة التحالف.

الخلاصة:

القاعدة ليست لإنهاء الحرب أو الحصار، بل هي أداة لإدارة الصراع بتكلفة أقل على الرياض وحلفائها. إنها تؤمن شريان النفط لتمويل كيانات موالية للتحالف، وتُسقط ورقة الحصار النفطي من يد صنعاء، مما يُضعف موقفها التفاوضي.

لكنها في الوقت نفسه تُغلق نافذة الحل الشامل، لأنها تسمح باستمرار الوضع المنقسم: نفط يتدفق من الشرق تحت الحماية الباكستانية-السعودية، وحصار إنساني مزمن في الشمال لا يجد من يفكه لأن الطرف الآخر لم يعد بحاجة ماسة للتفاوض. إنها استراتيجية “تجويع القط والفأر” بدلاً من إنهاء المطاردة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com