غزة تحت الوصاية الإسرائيلية.. الممثل الأعلى لمجلس السلام يطالب بفتح القطاع أمام لجنة التكنوقراط وقوة الاستقرار..!

5٬994

أبين اليوم – وكالات 

تتواصل فصول الصراع على مستقبل قطاع غزة بين مساعي فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، وإصرار الاحتلال الإسرائيلي على الاحتفاظ بأدوات التحكم في حركة البضائع والمساعدات وإدارة القطاع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لبدء تنفيذ المرحلة التالية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وفي هذا السياق، جدد الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، الأحد، مطالبته حكومة الاحتلال بالسماح الفوري بدخول أعضاء اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية وقوة الاستقرار الدولية إلى القطاع، محذراً من أن استمرار القيود الإسرائيلية قد يفاقم الأزمة الإنسانية ويعرقل تنفيذ الترتيبات المقترحة.

وجاءت مطالبة ملادينوف في رسالة وجهها إلى منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، يورام هاليفي، رداً على قرار تعليق إدخال البضائع إلى غزة عبر التجار حتى إشعار آخر، وهي القناة الرئيسية التي تدخل من خلالها معظم السلع إلى القطاع.

ووفقاً لما كشفته صحيفة “هآرتس”، حذر ملادينوف من أن وقف حركة البضائع عبر القطاع الخاص قد يفتح الباب أمام فرض ضغوط مماثلة على المساعدات الإنسانية التي تصل عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، بما يهدد بتوسيع دائرة الاختناق الاقتصادي والمعيشي التي يعانيها سكان غزة.

ودعا ملادينوف الحكومة الإسرائيلية إلى الموافقة الفورية على إطلاق برنامج تجريبي يسمح للجنة التكنوقراطية الفلسطينية وقوة الاستقرار الدولية ببدء العمل في منطقة محدودة من رفح، الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، والتي أشار التقرير إلى عدم وجود حضور لحركة حماس فيها.

ويهدف المقترح، وفقاً للرسالة، إلى اختبار آلية انتقالية تتيح بدء عمل هذه الجهات على الأرض، تمهيداً لتوسيع نطاق أنشطتها في مراحل لاحقة.

غير أن هذا المقترح يصطدم بتراجع إسرائيلي سابق عن ترتيبات مماثلة. ففي نهاية يوليو الماضي، وافق المجلس الوزاري السياسي والأمني الإسرائيلي “الكابينيت” على إدخال عدد محدود من جنود قوة الاستقرار الدولية إلى منطقة رفح، بالتزامن مع زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن. لكن القرار أُلغي لاحقاً تحت ضغط وزراء من التيار الصهيوني الديني، قبل أن يعلن نتنياهو في نهاية أغسطس أن دخول القوة لم يُقر.

ويكشف هذا التراجع عن التناقض بين الالتزامات السياسية المعلنة بشأن مستقبل غزة، والحسابات الداخلية الإسرائيلية التي تعرقل تنفيذها. فبينما يجري الترويج لترتيبات جديدة لإدارة القطاع، تظل القوى الأكثر تشدداً داخل الحكومة الإسرائيلية قادرة على تعطيل خطوات أساسية، خصوصاً تلك التي قد تفرض قيوداً على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية أو تفتح المجال أمام وجود دولي وفلسطيني مستقل نسبياً في إدارة الشؤون المدنية.

ولم تقتصر مطالب ملادينوف على إطلاق البرنامج التجريبي، بل دعا أيضاً إلى الموافقة على بدء أنشطة اللجنة التكنوقراطية وقوة الاستقرار الدولية في مختلف أنحاء القطاع خلال المرحلة التالية، بما يمهد، وفق التصور المطروح، لبدء عملية نزع سلاح حماس ونقل إدارة غزة منها إلى اللجنة الفلسطينية.

كما طالب الحكومة الإسرائيلية بالتعاون مع مجلس السلام ووضع خطة جديدة لتنظيم إمدادات السلع إلى القطاع، مشيراً إلى أن هذه المسألة لا تزال قيد البحث بين ممثلي المجلس والحكومة الإسرائيلية. ودعا جيش الاحتلال إلى التعاون في إيجاد حلول للأزمة الإنسانية، ولا سيما في مجالات الإسكان المؤقت والصرف الصحي والنظافة والرعاية الطبية.

وبحسب التقرير، يمنع كيان الاحتلال دخول قوافل إغاثية مخصصة لتلبية هذه الاحتياجات، باعتبارها جزءاً من جهود إعادة الإعمار، وتربط السماح بإدخالها بنزع سلاح حماس، كما تفرض قيوداً على دخول الخيام الدائمة بذريعة الاعتبارات الأمنية.

وتضع هذه القيود الاحتياجات الإنسانية الأساسية في قلب المساومة السياسية والأمنية بشأن مستقبل القطاع، في وقت يحتاج فيه السكان إلى حلول عاجلة تتجاوز حسابات الأطراف المتصارعة.

تحليل:

تكشف مطالبة ملادينوف عن مأزق جوهري في الخطة المطروحة لمستقبل غزة: كيف يمكن إنشاء إدارة انتقالية وقوة استقرار دولية، بينما يحتفظ الاحتلال بالقدرة على منع دخولهما وتعطيل تحركاتهما والتحكم في الموارد اللازمة لعملهما؟ فالمعضلة ليست في تشكيل لجنة تكنوقراطية أو الإعلان عن قوة دولية، بل في تحديد حدود صلاحياتهما الفعلية، والجهة التي ستملك القرار النهائي في الملفات الأمنية والإدارية والإنسانية.

وإذا ظل كيان الاحتلال صاحب الكلمة الفصل في الدخول والحركة والإمدادات، فقد تتحول الترتيبات الجديدة إلى إدارة مدنية تعمل تحت سقف السيطرة العسكرية الإسرائيلية، بدلاً من أن تكون خطوة حقيقية نحو إنهاء الاحتلال واستعادة الفلسطينيين حقهم في تقرير مستقبلهم.

كما إن ربط إدخال مستلزمات الإيواء والصرف الصحي والرعاية الطبية بنزع سلاح حماس يضع الاحتياجات الأساسية للسكان ضمن معادلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد. فبدلاً من التعامل مع الإغاثة بوصفها ضرورة إنسانية عاجلة، تصبح الإمدادات جزءاً من شروط التفاوض على شكل السلطة المقبلة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تُراد اللجنة التكنوقراطية لتكون أداة لإعادة بناء المؤسسات وتخفيف معاناة الفلسطينيين، أم لتكون مدخلاً إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في غزة وفق شروط خارجية؟ إن الإجابة تتوقف على طبيعة صلاحيات اللجنة، ومدى استقلال قرارها، وقدرتها على العمل دون وصاية عسكرية، فضلاً عن موقف الفلسطينيين أنفسهم من الترتيبات المقترحة.

اختيار منطقة محدودة من رفح لبدء البرنامج التجريبي يحمل دلالة سياسية وأمنية واضحة؛ إذ يسمح باختبار نموذج إدارة جديد في مساحة تخضع للسيطرة الإسرائيلية، قبل الانتقال إلى مناطق أخرى. لكن نجاح هذا النموذج لا يُقاس بمجرد دخول أفراد اللجنة أو قوة الاستقرار، بل بقدرتهم على ممارسة صلاحيات فعلية، وضمان وصول المساعدات، وتوفير الحماية للمدنيين، ومنع تحول المنطقة إلى نموذج معزول يُستخدم لتكريس تقسيم جغرافي وإداري للقطاع. كما أن التراجع الإسرائيلي السابق عن إدخال القوة الدولية يثير شكوكاً بشأن استعداد الحكومة الإسرائيلية لقبول أي ترتيبات تحد من قدرتها على فرض الوقائع منفردة.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com