“تقرير“| أنبوب النفط السعودي عبر المهرة: صراع السيادة والممرات الاستراتيجية في قلب التنافس الإقليمي..!
أبين اليوم – تقارير
في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس قيمة الأرض بمساحتها، بل بوظيفتها في خرائط القوة، والمهرة تمثل نموذجاً صارخاً لهذه القاعدة. فهذه المحافظة الهادئة ظاهرياً تحولت إلى نقطة ارتكاز لصراع يتجاوز اليمن بكثير، صراع يعيد تعريف مفاهيم السيادة، ويختبر حدود النفوذ الإقليمي تحت غطاء مشاريع اقتصادية ظاهرها تنموي وباطنها استراتيجي خالص.
مشروع أنبوب النفط ليس مجرد خط لنقل الطاقة، بل هو محاولة لإعادة رسم مسارات السيطرة في المنطقة، وكسر معادلات الاختناق الجيوسياسي التي يمثلها مضيق هرمز.
ما يجعل هذا الملف أكثر خطورة هو أنه لا يُطرح ضمن إطار شراكة متكافئة، بل في سياق اختلال حاد في موازين القوة، حيث تتحول الحاجة الاقتصادية إلى مدخل لإعادة تعريف السيادة نفسها.
هنا، لا يعود السؤال: هل يمر الأنبوب أم لا؟ بل: من يملك الأرض التي سيمر عبرها فعلياً؟ ومن يحدد قواعد اللعبة فوقها؟ هذا التحول من منطق “التعاون” إلى منطق “إعادة التشكيل” هو ما يفسر حدة الرفض المحلي، ويكشف أن الصراع في المهرة ليس على مشروع، بل على معنى الدولة وحدودها في مرحلة تتآكل فيها المفاهيم التقليدية للسيادة تحت ضغط المصالح الكبرى.
من الناحية الاستراتيجية، تسعى السعودية منذ عقود إلى إيجاد منفذ بديل لصادراتها النفطية بعيداً عن مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة اختناق جيوسياسية يمكن أن تتعرض للإغلاق أو التهديد في حال تصاعد التوترات الإقليمية، كما هو حاصل الآن بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي أغلقت المضيق كحق سيادي.
لذلك، تبدو المهرة خياراً مثالياً، إذ توفر منفذاً مباشراً إلى المحيط الهندي بدون المرور بالمياه الخليجية الحساسة. غير أن هذا الطموح لم يكن يوماً مشروعاً اقتصادياً بحتاً، بل ارتبط دائماً بأبعاد سيادية وأمنية معقدة.
وفقاً لما سبق، فإن جوهر الخلاف لا يكمن في مبدأ المشروع، بل في طبيعته القانونية والسيادية. فاليمن، بحسب هذا الطرح، لم يرفض فكرة مرور الأنبوب، بل طالب بأن يتم ذلك وفق الأعراف الدولية التي تضمن سيادة الدولة المضيفة، بما في ذلك فرض رسوم عبور وتنظيم الوجود على أراضيها.
في المقابل، يُقال إن الطرح السعودي تجاوز هذا الإطار، ليصل إلى المطالبة بما يشبه “ممر سيادي”، وهو ما يعني فعلياً انتزاع السيطرة اليمنية على شريط جغرافي يمتد عبر المهرة وربما حضرموت، حسب تصريح للقيادي في حركة أنصار الله محمد البخيتي.
هذا النوع من الطروحات يضع المشروع في خانة مختلفة تماماً، حيث يتحول من تعاون اقتصادي إلى محاولة لإعادة رسم الحدود الفعلية للسيادة.
وهنا تكمن حساسية الملف، إذ أن أي تنازل من هذا النوع يُنظر إليه داخلياً باعتباره مساساً بوحدة الأراضي اليمنية، وهو أمر يواجه رفضاً واسعاً من مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية.
تاريخياً، لم تكن هذه الفكرة وليدة اللحظة، بل طُرحت منذ عقود، خاصة في ظل أنظمة سياسية كانت أكثر مرونة في التعامل مع الضغوط الإقليمية.
إلا أن التحولات التي شهدها اليمن، خاصة بعد 2015، أعادت تعريف مفهوم السيادة الوطنية لدى مختلف القوى، وجعلت من الصعب تمرير مشاريع يُنظر إليها على أنها انتقاص من الاستقلال الوطني.
في هذا الإطار، يمكن فهم الحضور العسكري والسياسي السعودي في المهرة على أنه يتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة، ليرتبط بمحاولة تهيئة الأرضية لمثل هذا المشروع.
غير أن هذا الحضور واجه رفضاً محلياً متزايداً، تجسد في احتجاجات شعبية ومواقف قبلية رافضة لأي وجود خارجي يُنظر إليه كمدخل لتغيير الواقع السيادي للمحافظة.
أما فشل المشروع حتى الآن، فيعود إلى عدة عوامل متداخلة. أولها الرفض الشعبي اليمني لأي تنازل عن الأرض، وهو عامل حاسم في بيئة قبلية ومجتمعية حساسة تجاه قضايا السيادة.
وثانيها الانقسام السياسي، الذي يجعل أي اتفاق عرضة للطعن وعدم الشرعية. وثالثها التعقيدات الإقليمية والدولية، حيث لا يمكن تمرير مشروع بهذا الحجم بدون توافقات أوسع، تبدو غير متوفرة حتى الآن.
في المحصلة، يتجاوز مشروع أنبوب النفط كونه مجرد بنية تحتية للطاقة، ليصبح اختباراً حقيقياً لمفهوم السيادة في اليمن، ولحدود النفوذ الإقليمي في المنطقة. وبينما تستمر السعودية في البحث عن منافذ بديلة لتأمين صادراتها النفطية، يبدو أن تحقيق هذا الهدف عبر المهرة سيظل رهناً بمعادلة معقدة، يصعب فيها تجاوز الإرادة المحلية أو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بدون تكلفة باهظة.
وعليه يمكن القول:
في المحصلة، لا يبدو أن معركة المهرة ستُحسم عبر التفاهمات التقنية أو الصيغ القانونية، لأن جوهرها أعمق من مجرد اتفاق على خط أنبوب أو رسوم عبور. نحن أمام صراع على من يملك تعريف الواقع نفسه: هل تظل الأرض خاضعة لسيادة كاملة غير قابلة للتجزئة، أم تتحول إلى ممرات وظيفية تُدار وفق ميزان القوة الإقليمي؟
هنا تتقاطع حسابات الأمن الطاقوي مع إعادة هندسة النفوذ، وتصبح المشاريع الاقتصادية أدوات لإعادة ترسيم الحدود غير المعلنة.
بالنسبة للسعودية، الخروج من أسر مضيق هرمز ليس خياراً تكتيكياً بل ضرورة استراتيجية، لكن تحقيق ذلك عبر المهرة يضعها في مواجهة مع معادلة معقدة لا يمكن كسرها بالقوة الناعمة وحدها. وفي المقابل، يدرك الفاعلون المحليون أن أي تنازل – ولو كان مغلفاً بمبررات اقتصادية
– قد يتحول إلى سابقة تُعيد تعريف السيادة على المدى الطويل.
لهذا، سيبقى المشروع معلقاً بين طموح إقليمي لا يقبل التراجع، وواقع محلي يرفض إعادة تشكيله من الخارج. وبين هذين الحدّين، تتبلور حقيقة أكثر قسوة: أن الصراع في المهرة ليس حول أنبوب نفط، بل حول من يرسم خريطة النفوذ في جنوب الجزيرة العربية، ومن يدفع كلفة هذا الرسم.