“عدن“| المدينة تختنق بحرّ الصيف.. كهرباء منهارة وثلج بأسعار “نارية” وسط دعوات لإسقاط “سلطة معاشيق”..!
أبين اليوم – خاص
يعيش سكان مدينة عدن، جنوبي اليمن، واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية والخدمية مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة بشكل لافت، في ظل انهيار شبه كامل لخدمة الكهرباء التي بات انقطاعها يصل إلى نحو 18 ساعة يومياً، ما حول حياة السكان إلى “مأساة حقيقية” خصوصاً المرضى وكبار السن والأطفال.
وأفاد سكان محليون بأن موجة الحر القائظ، بالتزامن مع الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، فاقمت معاناتهم اليومية، وسط عجز تام عن تشغيل وسائل التبريد أو حفظ الأطعمة والأدوية، مؤكدين أن الأوضاع “خرجت عن السيطرة”.
وعادت خدمة الكهرباء إلى التدهور مجدداً بعد تحسن نسبي ومؤقت أعقب دعماً سعودياً ووعوداً بتقديم مساعدات سخية لقطاع الطاقة، عقب إخراج قوات المجلس الانتقالي من حضرموت، غير أن ذلك التحسن سرعان ما تلاشى دون أي أثر ملموس على أرض الواقع، بحسب السكان.
وكانت السعودية قد أعلنت في مايو الماضي تقديم دعم عاجل لقطاع الكهرباء، إضافة إلى منحة مشتقات نفطية بقيمة 150 مليون دولار للحكومة الموالية لها، بهدف تشغيل محطات الكهرباء بمادتي الديزل والمازوت حتى نهاية عام 2026، إلا أن الانهيار المتواصل للخدمة أثار تساؤلات واسعة حول مصير تلك المنح والدعم المعلن.
وبالتزامن مع أزمة الكهرباء، تفجرت أزمة جديدة تمثلت في الارتفاع “الجنوني” لأسعار قوالب الثلج، التي تحولت إلى وسيلة أساسية لتبريد مياه الشرب وحفظ المواد الغذائية، في ظل غياب الكهرباء عن المنازل والمحلات التجارية.

وقال مواطنون إن أسعار قوالب الثلج تضاعفت بشكل مفاجئ خلال الأيام الماضية، حيث ارتفع سعر القالب الواحد من 500 ريال إلى نحو 1000 ريال في عدد من مناطق المدينة، نتيجة زيادة الطلب والإقبال الكبير على الثلج مع اشتداد الحرارة.
وعبر السكان عن غضبهم من ما وصفوه بـ”الاستغلال التجاري”، مؤكدين أن أزمة الكهرباء لم تعد تقتصر على انعدام الإضاءة والتهوية، بل امتدت لتطال أبسط مقومات الحياة اليومية، حتى أصبح “الثلج” الذي كان سلعة متاحة للجميع، أقرب إلى “ترف” لا يقدر عليه الفقراء.
وتشهد عدن، الخاضعة لسيطرة قوى التحالف، تدهوراً خدمياً غير مسبوق يشمل الكهرباء والمياه والمشتقات النفطية، ما فاقم حالة الاحتقان الشعبي، ودفع ناشطين إلى إطلاق دعوات للتظاهر والخروج إلى الشوارع لاجتثاث ما سموها “سلطة معاشيق”، في إشارة إلى الحكومة الموالية للرياض.
تحليل:
تكشف أزمة الكهرباء والثلج في عدن حجم الانهيار العميق الذي تعيشه المدينة على المستويات الخدمية والاقتصادية، رغم الوعود والمنح السعودية المتكررة. فالعجز عن توفير الكهرباء في ذروة الصيف، وتحول الثلج إلى سلعة باهظة الثمن، يعكسان فشل السلطات الموالية للتحالف في إدارة أبسط الملفات المعيشية، كما يعمقان حالة الغضب الشعبي المتصاعد.
تختزل أزمة الكهرباء في عدن أكثر من مجرد انقطاع للتيار؛ إنها مرآة لانهيار دولة ومشهد مصغّر لفشل الإدارة السياسية والمالية في اليمن. ففي وقت كانت فيه السعودية تعلن عن منحة المشتقات النفطية بزخم إعلامي كبير، انتهى الدعم بلا أثر ملموس، ما يثير أسئلة مشروعة حول مسار تلك الأموال: هل استُهلِكت في ثغرات الفساد؟ أم تبددت نتيجة هشاشة البنى التحتية؟ أم أنها كانت مجرد وعود انتخابية في معركة نفوذ إقليمي؟
والأكثر إيلاماً أن المواطن العدني، الذي دفع ثمناً باهظاً للحرب والتحالفات، بات اليوم يدفع ضعف السعر لقالب ثلج كان بالأمس سلعة رخيصة، في تحول مأساوي يعكس كيف يمكن للأزمة أن تعيد تعريف “الرفاهية” و”الضرورة” رأساً على عقب. إن صمود الأسر في مواجهة الحرّ والانقطاع الطويل لا يعبر عن قوة إرادة فحسب، بل عن غياب تام لشبكة أمان إنساني.
وإذا كانت “سلطة حكومة عدن” عاجزة عن تأمين أبسط الخدمات، فإن الحراك الشعبي المتصاعد ليس مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتراكم الإحباط.
تبقى عدن، بموجاتها الحارة ونفوسها المحترقة، شاهدة على حقيقة مرة: الوعود لا تبرد العطش، والإعلانات الدبلوماسية لا تضيء البيوت، والثلج لم يعد للجميع. الخطر الحقيقي ليس في انقطاع الكهرباء، بل في انقطاع الأمل.