“مقالات“| بيان العهد الجديد: من غبار الدمار إلى قيامة الأمة..!
أبين اليوم – خاص
بقلم/ المستشار فيصل الخليفي:
لم يعد يملك الوقت ترف الانتظار، ولم يعد لدى الشعوب فائض من الصبر لتستهلكه الوعود المؤجلة أو تسويات المكاتب المغلقة.
إحدى عشر عاماً مضت، تجرّعنا فيها مرارة الحرب، واقتسمنا مع جدرانها الصامتة رغيف الخبز المغمس بالصبر، والتحفنا بالدمار الذي حاول عبثاً كسر إرادتنا.
إنها مأساة وطن تفوق في تفاصيلها قدرة السرد، لكنها – في ذات الوقت – تصنع نقطة التحول التاريخية التي لا مفر منها: إما الركود المستدام، وإما القفز فوق الركام لبناء المستقبل.
لقد آن الأوان للبلاد أن تخلع عباءة الحرب السوداء، وتنفض عن كاهلها غبار العبث، لتغسل ماضي الألم بعزيمة صلبة لا تقهر، وتدشن عهداً عنوانه “البناء الشامل والنهضة القسرية”.
إن القيادة الحقيقية ليست وجاهة في مناصب، بل هي جسارة في اتخاذ القرار، وقدرة على قيادة الجماهير نحو الغد وحمايتها من شبكات المصالح الضيقة التي تتربح من استمرار الوضع القائم.
إن النهوض باقتصادنا ليس ترفاً نظرياً، بل هو معركة وجودية تبدأ من حماية العملة الوطنية وإعادة الاعتبار لقيمتها الشرائية، ووقف النزيف المالي الذي أنهك كاهل المواطن وأحال لقمة عيشه اليومية إلى مطمع للمضاربين وتجار الأزمات.
لن يستقيم وطنٌ يُترك فيه الاستثمار مكبلاً ببيروقراطية عقيمة، أو تُهدر فيه الموارد السيادية والملفات الحيوية لصالح قوى الفساد الداخلي أو العابثين في الظل؛ بل يجب انتزاع هذه الملفات وإدارتها بعقلية استراتيجية وطنية، تضمن توجيه العوائد مباشرة لإنعاش الخزينة العامة، وتحفيز الإنتاج المحلي، وجذب الرساميل الجريئة لبناء قلاع صناعية وزراعية حقيقية.
ولأن الإنسان هو غاية التنمية ووقودها، فإن الثورة القادمة يجب أن تضرب في عمق ملفي الصحة والتعليم بإجراءات جذرية قاطعة؛ فلا مجال بعد اليوم لمدارس متهالكة تخّرج أجيالاً بلا أفق، ولا لمستشفيات تحولت إلى مقار عاجزة يلوذ بها المريض فلا يجد إلا العدم.
إن إعادة الهيبة الإنسانية للمؤسسة الصحية، ورد الاعتبار المعرفي للمؤسسة التعليمية، وتطوير كل الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وبنية تحتية، هي معايير الحكم على نجاح أي سلطة، وهي الحق الأصيل لا المكرمة العابرة. إن كسر أبواب الجمود والركود الراهن لا يحتاج إلى جولات تفاوضية مطولة مع المفسدين، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حاسمة تقطع دابر التردد وتطهر مفاصل الدولة من العبث.
ولتسمع الدُنيا بأسرها، وليعلم القاصي والداني، وليفهم لصوص الأوطان أن عهدهم قد ولى: إن أبواب الفساد ستوصد، وسيحطم جدرانها صراخ الجياع، وإرادة الشرفاء، وفعل أبطال الأمة.
لم يعد للفساد غطاء يستر عورته، ولم يعد للجمود عذر يبرر بقاءه. لقد تحول صراخ الجياع من أنين مستسلم في البيوت إلى مطارق وعي تهز عروش المفسدين وتكشف عورات المتخاذلين، وتلتقي في الأفق مع إرادة الشرفاء من أبناء هذا الوطن الذين رفضوا البيع والشراء بمقدرات بلدهم.
هذا اللقاء المقدّس بين ألم الشعب وهمة رجاله المخلصين، هو الذي سيترجَم اليوم إلى “فعل أبطال الأمة”؛ الفعل الذي يغير القوانين، ويحاسب المقصر، ويفتح الأبواب المغلقة أمام عجلة الإنتاج والتنمية، ويضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه العبث بلقمة عيش المواطن أو التآمر على مستقبله.
يا أبناء أمتنا العظيمة، ويا قادتها الشجعان:
إن التاريخ لا يلتفت للمترددين، والبلدان لا تبنى بالبواكي ولا بالحلول الترقيعية. إننا نملك الأرض، والمورد، والإنسان، ونمتلك الحق الكامل في الحياة الكريمة.
وما ينقصنا قطعه قلمنا اليوم بصيغة عهد لا رجعة فيه: أن نمضي معاً، قيادةً وشعباً، في معركة بناء لا تقل شراسة عن معارك الدفاع؛ لنفتح النوافذ لضوء النهضة، ونطهر المؤسسات من دنس الفساد، ونكتب بمداد العزيمة أننا خرجنا من رماد إحدى عشر عاماً.. أقوى، وأعظم، وأبقى.