“مقالات“| دماء أبناء الجنوب على طاولة المصالح.. من يحاسب تجار الحروب..!

5٬997

أبين اليوم – خاص 

بقلم الشيخ/ عبدالله جعيول:*

عندما تتحول الدماء الغزيرة، والأشلاء المتناثرة، والجثث المتراكمة إلى ثمن يُدفع في حروب المصالح، تصبح المأساة أكبر من مجرد خسائر في الأرواح؛ إذ يبرز سؤال جوهري حول الجهة التي تقرر خوض المعارك، والأهداف الحقيقية التي يُزج بالمقاتلين من أجلها، ومن يجني المكاسب السياسية والاستراتيجية من وراء تضحياتهم.

وفي ظل الحرب الدائرة في اليمن، تتصاعد التساؤلات بشأن مصير أبناء الجنوب الذين يسقطون في جبهات القتال، وما إذا كانت تضحياتهم تحقق أهدافاً وطنية تخصهم، أم تُوظَّف أوراقاً عسكرية لتحسين مواقع أطراف أخرى على طاولة المفاوضات المرتقبة، حين تضع الحرب أوزارها وتبدأ عملية تقاسم المكاسب وترتيب المصالح.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سيُكشف الستار يوماً عن الجهات التي دفعت بهؤلاء المقاتلين إلى أتون الحرب، وعن الأهداف التي سعت إلى تحقيقها من خلالهم؟ وهل ستُفتح ملفات الخسائر البشرية، وتُحدَّد المسؤوليات عن القرارات التي قادت إلى سقوط الضحايا، أم ستُطوى الصفحات بمجرد انتهاء الحاجة إلى المقاتلين، ويُترك ذوو القتلى والجرحى لمواجهة آلامهم وحدهم؟

إن القضية لا تتعلق بعدد القتلى والجرحى فحسب، بل بطبيعة العلاقة بين من يقاتل على الأرض ومن يحدد أهداف الحرب. فحين يتحمل المقاتلون كلفة المواجهة بأرواحهم، بينما تُصاغ التفاهمات السياسية بعيداً عنهم، يصبح من الضروري مساءلة الأطراف التي تقرر التصعيد، وتحديد المستفيد الحقيقي من استمرار النزيف، وما إذا كانت التضحيات تُترجم إلى مكاسب لأصحابها أم تُستنزف في خدمة حسابات إقليمية لا يملكون قرارها.

وتزداد هذه التساؤلات حساسية عند استحضار ما يُتداول بشأن الضربات الجوية التي استهدفت قوات جنوبية في محافظة حضرموت، وما خلفته من خسائر بشرية. فكيف يمكن تفسير مشاركة مقاتلين جنوبيين لاحقاً في معارك تخدم أهداف الطرف الذي تُوجَّه إليه اتهامات بالمسؤولية عن تلك الضربات؟ وأي ضمانات تحول دون تكرار المشهد، بحيث يجد المقاتل نفسه مرة ضحيةً لقرار عسكري، ومرة أخرى في مقدمة قوة تقاتل لتحقيق أهداف الجهة ذاتها؟

إن استحضار هذه الوقائع لا يستهدف تأجيج العداء بين أبناء الجنوب وأي طرف آخر، بقدر ما يفرض ضرورة التمييز بين التحالفات السياسية والعسكرية، وبين المصالح الفعلية للقوى التي تخوض الحرب. فالتحالف لا ينبغي أن يكون تفويضاً مفتوحاً بالتضحية بالأرواح، ولا أن يتحول إلى علاقة غير متكافئة يتحمل فيها طرف أعباء القتال، بينما يحتفظ الطرف الآخر بحق تحديد الأهداف وتقرير توقيت التفاوض وشروط التسوية.

ومن هنا، يصبح السؤال موجهاً أيضاً إلى القيادات الجنوبية: ما الضمانات التي تملكها لحماية المقاتلين من التحول إلى أوراق تفاوضية؟ وهل توجد رؤية واضحة تربط التضحيات بأهداف سياسية ووطنية محددة، أم أن أبناء الجنوب يُدفعون إلى معارك تتبدل أهدافها بتبدل الحسابات الإقليمية، من دون أن تكون لهم كلمة حاسمة في تقرير مصيرهم؟

إن أخطر ما يمكن أن تفرزه الحروب ليس سقوط المقاتلين وحده، بل تكرار المأساة ذاتها من دون مراجعة أو مساءلة. فالأمم التي لا تستخلص الدروس من تجاربها تصبح أكثر عرضة لإعادة إنتاج الخسائر، فيما تتحول التضحيات المتراكمة إلى ذاكرة مثقلة بالخذلان، بدلاً من أن تكون أساساً لبناء موقف سياسي أكثر استقلالاً وقدرة على حماية المصالح الوطنية.

وعليه يمكن القول:

إن جوهر المأساة يكمن في الفجوة بين من يدفع ثمن الحرب ومن يملك قرارها؛ فالمقاتل الذي يواجه الموت في الخنادق قد لا يكون هو المستفيد من النتائج السياسية التي تُصنع بعد توقف المدافع. وإذا كانت دماء أبناء الجنوب تُستنزف في معارك تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي جولة قتال جديدة هو: من يحدد الهدف، ومن يتحمل الكلفة، ومن يحصد المكاسب؟ فغياب الإجابات الواضحة يفتح الباب أمام توظيف التضحيات البشرية في صراعات تتجاوز مصالح المقاتلين أنفسهم.

أما الدرس الأهم، فيتعلق بمسؤولية القيادات عن ربط القرار العسكري بمصلحة سياسية واضحة، وإخضاع التحالفات لمراجعة تضمن عدم تكرار الخسائر من دون مساءلة. فالتضحيات لا تكتسب معناها من كثرة القتلى، بل بما تحققه من حماية للناس وصون لحقوقهم ومصالحهم. وعندما تنتهي الحرب، لن يكون كافياً إحصاء الضحايا أو إقامة مراسم التأبين؛ بل ستبقى هناك أسئلة عن المسؤولية والقرار والنتائج، وعن حق المجتمع في معرفة ما إذا كانت دماء أبنائه قد خدمت قضية يؤمنون بها، أم تحولت إلى كلفة بشرية في حسابات الآخرين.

 

* رئيس مجلس النهضة سابقاً

رئيس مجلس أحرار أبين حالياً

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com